تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
على حوائجكم بانتظار الحج والفرج توكلا على اللّه أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس والتوسّل بالصلاة والالتجاء إليها ، فإنّها جامعة لأنواع العبادات النفسانيّة والبدنيّة من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما
شرح
على أن صرف الخطاب عن بني إسرائيل إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم بل هو خطاب لبني إسرائيل متصل بما وقع قبله من الأوامر والنواهي . وإما قول ذلك القائل : كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع أنهم منكرون لهما ؟ فالجواب أنّا لا نسلم أنهم ينكرون لهما أصلا وذلك لأن كل واحد يعلم أن الصبر على ما يجب عليه الصبر حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق واشتغال بذكر اللّه تعالى تسلي عن محن الدنيا وآفاتها ، وإنما الاختلاف في الكيفية فإن كيفية صلاة اليهود تخالف كيفية صلاة المسلمين ، وإذا كان متعلق الأمر هو ماهية الصبر والصلاة التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور . وعلى هذا القول لما أمرهم اللّه تعالى بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع التي أصلها الصلاة والزكاة وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج اللّه تعالى هذا المرض فقال :وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِوالحج الظفر بالمطلوب ، والفرج انجلاء الغم . قوله : ( على حوائجكم ) إشارة إلى أن المستعان عليه محذوف وأن حذفه للتعميم ليعم جميع ما يحتاج إليه الإنسان في الدنيا والآخرة . وأتم حوائجه أن يوفق لتحمل ما كلف به من التحلي بالعبادات والتخلي عن الشهوات المحرمة . وقوله : « توكلا » جاز أن يكون حالا من فاعل « استعينوا » أي متوكلين على اللّه ، وجاز أن يكون مفعولا له للانتظار ، والباء في قوله : « بانتظار » للاستعانة أو الملابسة وقوله : « أو بالصوم » عطف على قوله : « بانتظار » . فسر الصبر أولا بانتظار الظفر بالمطلوب وانتظار الفرج من الغم من حبس نفسه على الطاعات وعن المخالفات ، وثانيا بالصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب والجماع . ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا من حيث إنه تنكسر نفسه فتلين لقبول الحق واتباعه ، فإن انضاف إليه الصلاة استنار قلبه بأنوار معرفة اللّه فيزول عنه شوق المال والجاه ويكون جلّ أمنيته مرضاة اللّه تعالى . وقوله : « والتوسل » مجرور معطوف على أحد المذكورين في تفسير الصبر وهما انتظار الحج والفرج والصوم أي استعينوا على حوائجكم بالصبر المفسر بأحد المذكورين وبالتوسل بالصلاة ، فإنها إذا انضافت إلى الصبر المذكور استنار القلب على أبلغ وجه وصفت النفس عن كدورات التعلق بما سوى اللّه تعالى ، ففي الصبر والصلاة معالجة لمرض القلب أي معالجة . قوله : ( وصرف المال فيهما ) أي : في الطهارة وفي ستر العورة ، فإن صرف المال إلى ما يزيل النجاسة والحدث عن ثوبه وبدنه وإلى ما يستر عورته عبادة مالية وما سواه : إما قلبية كالخشوع وإخلاص النية وحبس