وَاتَّقُوا يَوْماً
أي ما فيه من الحساب والعذاب .
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
لا تقضي عنها شيئا من الحقوق أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه على المصدر . وقرىء لا
شرح
أن خواص بني آدم كالأنبياء عليهم السّلام أفضل من جملة الملائكة ، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين ، وعوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة .
قوله : ( أي ما فيه من الحساب والعذاب ) يعني أن « يوما » ليس ظرفا لقوله تعالى :وَاتَّقُوالأن التقوى لا تقع في يوم القيامة وإنما تقع في هذا اليوم . وليس مفعولا به على الحقيقة أيضا لأن نفس اليوم لا يتقى وإنما يتقى ما يحصل في ذلك اليوم من الحساب والعذاب ، فلا بد من تقدير مضاف أي حساب يوم أو عذاب يوم ونحو ذلك . فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أعرب بإعرابه فصار قوله :يَوْماًمنصوبا على أنه مفعول به وقوله تعالى :لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاًفي محل النصب على أنه صفة لقوله :يَوْماًبحذف العائد وتقديره : لا تجزي نفس فيه . وكذا الجمل التي عطفت عليها أي ولا تقبل منها شفاعة فيه ولا يؤخذ منها عدل فيه ولا هم ينصرون فيه لما ذكر اللّه تعالى أنه فضلهم بأن جعلهم أولاد الأنبياء عليهم السّلام ، كان ذلك مظنة أن يتوهموا أنهم إذا اختاروا الحظوظ العاجلة والثمن القليل على الإيمان واتباع آيات تخلصهم آباؤهم يوم القيامة ، فدفع الوهم المذكور بقوله :وَاتَّقُوا يَوْماًوقوله :شَيْئاًمفعول به على أن يكون قوله :تَجْزِيبمعنى تقضي أي لا تقضي نفس عن غيرها ولا تؤدي شيئا من الحقوق الفائتة على ذلك الغير . يقال : جزى عنه كذا أي قضى عنه . وفي حديث أبي بردة بن نيار : تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك ، أي تقضي تلك العناق الجزعة ما وجب عليك من الأضحية .
وبيانه ما ذكره البخاري في صحيحه أن أبا بردة قال : يا رسول اللّه إني نسكت شاتي قبل الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي فذبحتها وتغديت بها قبل أن آتي الصلاة . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « شاتك شاة لحم » . قال : يا رسول اللّه فإن عندنا عناقا جذعة هي أحب إليّ من شاتين أفتجزى عني ؟ قال : « نعم ولا تجزى عن أحد بعدك » . والعناق الأنثى من ولد المعز ، والجذع ما أتى عليه أكثر السنة لإتمامها وأنه إن كان من الضأن يجوز ذبحه في الأضحية وإن كان المعز لا يجوز . وكانت جذعة ابن نيار من المعز . وقوله : « أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه على المصدر » أي ويحتمل أن يكون انتصاب قوله :شَيْئاًعلى أنه مفعول مطلق ويكون التقدير : لا تقضي عنها شيئا من القضاء فإن قوله :لا تَجْزِيلما كان فعلا متعديا احتمل أن يكون شيئا مفعولا به وأن يكون مفعولا مطلقا بخلاف تجزىء من أجزأ عنه بالهمزة بمعنى أغنى عنه فإنه فعل لازم فلا ينصب المفعول به . فعلى قراءة « تجزىء » بالهمزة يتعين أن يكون انتصاب شيئا