عن أن يجترئوا على تخريبها ، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلّا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا عن يمنعوهم منها ، أو ما كان لهم في علم اللّه وقضائه فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم وقد أنجز وعدم . وقيل : معناه النهي عن
شرح
الثاني أن العزة للّه ولرسوله وللمؤمنين والكفار أعداء الدين وأذلاء عباده فكان الواجب عليهم أن لا يدخلوا مساجد المؤمنين لعبادة ربهم إلا على الخوف والحذر منهم أن يبطشوا بهم بالقهر والإيذاء فضلا عن أن يمنعوهم عنها فليس المنفي عنهم دخولها بغير خوف ، بل المنفي كون الدخول بغير نفي خوف وهو الواجب عليهم واللائق بحالهم . وتقرير الوجه الثالث ما كان لهم في علم اللّه وقضائه أن يدخلوا على حال من الأحوال إلا على حال الخوف والحذر من المؤمنين ولو بعد حين ، أليس فيه دلالة على كون ذلك في جميع الأوقات بل على كيفية أن يكون الأمر كذلك في بعض الأوقات ؟ وقد صارت النصارى بعد عمارة بيت المقدس بحيث لا يدخله أحدهم إلا خائفا مسارقة فإن الواحد منهم لا تسلم له الرياسة ولا يجعل له البرهان ما لم يرد بيت المقدس . ولم يمكن له ذلك ظاهرا بعدما نصر اللّه تعالى المؤمنين عليهم وقواهم وفوض ولاية بيت المقدس إليهم فلا جرم كان يتنكر ويدخل خائفا على نفسه أن يعرف فيتلف ماله ونفسه . وكذلك المشركون صاروا بعد فتح مكة بحيث لا يدخلونها إلا خائفين وذلك قوله تعالى :إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا[ التوبة : 28 ] فلما نزلت هذه الآية بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكر رضي اللّه عنه في رهط وأمره عليهم وأمرهم أن يحجوا البيت ويؤذنوا في الناس يوم النحر : ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . وكان هذا قبل حجة الوداع بسنة . ثم حجّ عليه السّلام من العام القابل ظاهرا على المساجد لا يجترىء أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام . فعلى الوجه الثالث تكون الآية بشارة من اللّه للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين وسائر الكفرة بحيث لا يستطيع أحد منهم أن يدخل مساجد اللّه تعالى إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم وقد كان الأمر كذلك والحمد للّه . وتقرير الوجه الرابع أن الآية وإن وردت على صورة الخبر لكن المراد بها نهي المؤمنين عن تمكين الكفار من دخولها بأن يخلوا بينهم وبين المساجد ونظيره قوله تعالى :وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ[ الأحزاب : 53 ] فإنه خبر لفظا والمراد به النهي . ولم يرض المصنف بهذا الوجه حيث نقله بقوله : « وقيل » بناء على أن مثل هذا الخبر وإن كان يستعمل في النهي مجازا لكن إنما يكون النهي المخبر عن الحكم المخبر به كما في قوله تعالى :وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِفإنه نهى المخاطبين عن الإيذاء فهذه الآية على تقدير أن يراد بها