تعطيل مكان مرشح للصلاة وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخرّبوه وقتلوا أهله
شرح
خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر رضي اللّه عنه . قيل : لما استولى عمر على ولاية كسرى وغنم أموالهم عمر بها بيت المقدس ، فعلى هذا يكون المسجد الذي نزلت الآية فيه هو بيت المقدس ووجه انتظامها بما قبلها حينئذ أن ما قبلها في ذكرك قبح مقالهم . وهذه الآية في تخريب المسجد الذي هو ذكر قبح أفعالهم فكأنه قيل : كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه ؟ مع أنكم تعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود أو أكثر ، وحملكم على ذلك معاداتكم اليهود وبغضكم إياهم . وأما مشركو العرب الذين منعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدعاء إلى اللّه بمكة وألجؤوه إلى الهجرة فصاروا بذلك مانعين له ولأصحابه أن يذكروا اللّه تعالى في المسجد الحرام وأيضا أنهم صدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية قال تعالى في حقهم :هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ[ الفتح : 25 ] فعلى هذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما وصف مشركي العرب بالجهل وسوء القول حيث قال كذلكقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْشرع في ذمهم وتوبيخهم بقبح ما فعلوه في حق المسجد الحرام والعابدين فيه فقال :وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَالخ و « من » في الأصل كلمة استفهام وهي ههنا بمعنى النفي أي لا أحد أظلم من فاعل هذا الفعل . وعلى التقديرين فالآية نزلت في قوم معينين منعوا مسجدا معينا إلا أنه لما عبّر عن المانعين بلفظ « يعمهم وغيرهم » وهو كلمة « من » ، وعبّر عن المسجد الممنوع بما يعمه وغيره وهو صيغة الجمع أبقى المصنف كل واحد من اللفظين على عمومه ولم يرض بتخصيصهما ببعض المساجد وبعض الأشخاص وذلك لما تقرر من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . والترشيح التهيئة من قولهم : فلان يرشح للوزارة أي يربى ويؤهل لها . وقيل :
مساجد اللّه الأرض كلها لأن الأرض كلها مساجد اللّه أي مواضع سجوده وعبادته كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت » .
ثم الكفار منعوا أهل الإسلام أن يذكروا فيها اسمه أي توحيده وأن يظهروا دينه . وقوله : « أو سعي في تعطيل مكان » أي في تعطيلها بإخلائها عن العبادة فإن إظهار الكفر وترك الإسلام سبب خراب الأرض وفسادها كما قال :وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[ المائدة : 64 ] وفي الحواشي السعدية : فإن قيل : أليس المشرك أظلم ممن منع مساجد اللّه ؟
أجيب بأن المانع من ذكر اللّه الساعي في خراب المساجد لا يكون إلا كافرا مبالغا في الظلم لا أحد أظلم منه في الناس ، أو المراد من المانعين الكفرة لأن الكلام فيهم . لكن يحمل على عموم الكافر المانع ولا يخص الذين فيهم نزلت الآية كما صرح بعموم المساجد مع نزول