قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ
كعبدة الأصنام والمعطّلة وبّخهم على المكابرة والتشبّه بالجهّال . فإن قيل : لم وبّخهم وقد صدقوا فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء ؟ قلت : لم يقصدوا ذلك وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيّه وكتابه ، مع أن ما لم ينسخ منهما حقّ واجب القبول والعمل به .
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
بين الفريقين .
يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
( 113 ) بما يقسّم لكل فريق ما يليق به من العقاب . وقيل : حكمه بينهم أن يكذّبهم ويدخلهم النار .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ
عامّ لكل من خرّب مسجدا أو سعى في
شرح
لا يعلمون » في قول الجمهور كفار العرب لأنهم لا كتاب لهم . وقال عطاء : المراد بهم أمة كانت قبل اليهود والنصارى . قوله : ( وقد صدقوا ) حيث قال كل فريق لصاحبه : ما أمر اللّه تعالى نبيه عليه السّلام في آية أخرى أن يقول :لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍوهو قوله :يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ[ المائدة : 68 ] فإنهم متى أقاموا التوراة وفيها الأمر بالإسلام والاتباع لمحمد عليه الصلاة والسّلام كانوا على شيء ، وما لم يقيموا فليسوا على شيء فكل فريق صادق فيما قال لصاحبه . قوله : ( لم يقصدوا ذلك ) أي أن يكون مراد كل فريق أن يقول لصاحبه : ما أنت عليه من الدين قد نسخ فصار ليس بشيء فلست على شيء من الدين . وذلك لأنه تعالى حكى كلام الفريقين على أسلوب واحد ووبخهما عليه ولو أرادوا ذلك لما استحقوا التوبيخ ، ولئن سلمنا أن مرادهم ذلك لكن لا نسلم أنهم صادقون في قولهم : لستم على شيء من الدين فإن النسخ إنما يرد على الفروع والأحكام الاعتقادية فمن تدين بها لا يصح أن يقال له لست على شيء من الدين ، فلما قال كل فريق لصاحبه ذلك فقد استحق التوبيخ .
قوله : ( بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العقاب ) بيان للمحكوم به ، فإن فعل الحكم يتعدى بجارين الباء وفي كما يقال : حكم الحاكم في هذه القضية بكذا ، وفي هذه الآية قد ذكر المحكوم فيه بقوله :فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَولم يذكر المحكوم به فقدره المصنف بقوله : « بما يقسم » الخ أو بأن يكذبهم جميعا ويدخلهم النار كما قال :وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ[ التوبة : 49 ؛ العنكبوت : 54 ] .
قوله : ( عامّ لكل من خرب مسجدا ) يعني أن الآية وإن نزلت في قوم معينين منعوا مسجدا معينا من مساجد اللّه من أن يصلي فيه ويذكر اسمه وتوحيده فيه . وذلك القوم إما النصارى الذين غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم فظهروا عليهم وقاتلوا مقاتلهم وسبوا ذراريهم وأحرقوا التوراة وهدموا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف وجعلوا فيه مزبلة فلم يزل