ومن اللّه تعالى حقن الدّم والمال وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلا عن غيره ، ومن اللّه تعالى الفوز باللقاء الدائم وما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أوف بعهدكم في رفع الآصار والأغلال . وعن غيره : أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب . أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة والنعيم المقيم فبالنظر إلى الوسائط .
وقيل : كلاهما مضاف إلى المفعول والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة وتفصيل العهدين في سورة المائدة قوله تعالى :
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
[ المائدة : 70 ] إلى قوله :
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ آل عمران : 195 ] وقرىء أوفّ بالتشديد للمبالغة .
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
( 40 ) فيما تأتون وتذرون وخصوصا في نقض العهد وهو آكد في إفادة التخصيص من
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] لما فيه مع التقديم من التكرير المفعول والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل : إن كنتم راهبين
شرح
قوله : ( فيما تأتون وتذرون ) متعلق ب ( ارهبون ) أي ارهبوني فيما تأتون من المعاصي وفيما تذرون من الواجبات . وجعل نقض ما عهد إليهم من الإيمان والطاعة وترك الوفاء به مندرجا فيما يذرونه وارتكاب القبح الموجب لزيادة الخوف حيث ترقى إليه بقوله :
« وخصوصا في نقض العهد » نظرا إلى أن الوفاء بالعهد من جملة الواجبات فيكون نقضه وترك الوفاء من جملة إفراد ترك الواجب بالأمر وبالعكس ، لأن نقض العهد يتناول كلمة واحدة من إتيان المعاصي وترك الواجبات ، إلا أن يحمل ما يأتي به ويتركه على جميع الأفعال طاعة كانت أو معصية بناء على أن اللائق بحال المؤمن أن لا يطمئن بطاعته بل يكون خائفا من اللّه تعالى في جميع أفعاله . وفي الآية إشارة إلى هذا التقسيم أيضا حيث قال :وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِأي خافوني في نقض العهد لا ما يفوتكم من المال والرياسة . قوله : ( وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد ) صيغة آكد بكونها للتفضيل تدل على أنإِيَّاكَ نَعْبُدُ[ الفاتحة : 5 ] كما يفيد التخصيص باعتبار التقديم يفيد تأكيد التخصيص أيضا . ووجهه كون المفعول المقدم ضمير الخطاب وهو أعرف من ضمير الغائب فيكونإِيَّاكَ نَعْبُدُأزيد وأقوى في إفادة التخصيص من « إياه نعبد » إذ ليس في « إياه نعبد » من طرق التخصيص سوى تقديم المفعول ، وفيإِيَّاكَ نَعْبُدُطريق زائد على التقديم وهو كون المقدم ضمير الخطاب . وفي قوله تعالى :وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِطريقتان زائدتان على ما في قوله :إِيَّاكَ نَعْبُدُعلى ما ذكره المصنف وهما تكرير المفعول والفاء الجزائية . وقيل : فيه طريق آخر غير ما ذكره المصنف ، وهو كون المفعول المقدم ضمير المتكلم فإنه أعرف من ضمير المخاطب