أراد به جبريل أو روح عيسى عليهما السّلام ، ووصفها به لطهارته من مسّ الشيطان
شرح
الْقُدُسِمن قبيل إضافة الموصوف إلى الوصف القائم به كما في قولهم : حاتم الجود ورجل صدق . فإن الأصل بالروح المقدسة أي المطهرة على طريق المدح للروح باتصافها بصفة القدس والطهارة وثبوت هذه الصفة لها ، ثم أضيف الموصوف وهو الروح إلى القدس الذي أخذ اشتقاق لفظ المقدسة منه للمبالغة في ثبوت القدس له واتصافه به . فإن قولك : بالروح المقدسة إنما يدل على ثبوت القدس للروح واتصافها به ، فإذا أضيفت الروح إلى القدس إضافة لامية دالة على اختصاص المضاف بالمضاف إليه حصلت المبالغة في ثبوت القدس لها ، لأن اختصاص الروح بالطهارة أبلغ في الدلالة على اتصافها بالطهارة بالنسبة إلى أن يقال الروح المقدسة لأنه إنما يدل على مجرد ثبوت القدس للروح واتصافها به . قوله : ( أراد به جبريل عليه السّلام ) كما في قوله تعالى :قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ[ النحل : 102 ] وفي قوله :نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ[ الشعراء : 193 - 194 ] فإن المراد بالروح فيهما هو جبريل عليه السّلام . وسمّي روحا لأن الملائكة أرواح لطيفة بناء على أن الغالب على أجسامهم الروحانية لرقة أجسامهم ولطافتها ، غير أن روحانية جبريل أتم وأكمل قال الإمام :
فإن جبريل مخلوق من هواء نوراني لطيف فكانت المشابهة بينه وبين مسمى الروح أتم ، وأضيف إلى القدس وهو الطهارة لقوة اتصاله بعالم القدس . وقوله تعالى في حق عيسى :وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِمع أن الرسل كلهم مؤيدون به مبني على أن تأيد عيسى بجبريل عليهما السّلام آكد من تأيد سائر الأنبياء به ، لأن عيسى إنما تولد من نفخة جبريل وهو الذي رباه في جميع أحواله فإنه كان قرينه يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء .
كذا في الكبير والوجيز . وقيل : أراد بروح القدس روح عيسى . فالمعنى على هذا : وأيدناه بأن نفخنا فيه روحا مقدسة كما قال تعالى :وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا[ التحريم : 12 ] والقدس والقدوس هو اللّه تعالى ، فكأنه قيل : وأيدناه بروحنا .
ووجه إضافته إلى اللّه تعالى تعظيمه وتشريفه فإن الأشياء المخصوصة إذا أضيفت إليه تعالى يقصد بإضافتها إليه تعالى تعظيمها كما يقال للكعبة : بيت اللّه تعالى ولناقة صالح ناقة اللّه .
قوله : ( ووصفها به لطهارته من مسّ الشيطان ) أنّث ضمير « وصفها » وذكر الضمائر التي في قوله لطهارته ولكرامته ، ولأنه مع كونها راجعة إلى الروح في المواضع المذكورة بناء على أن المراد بالأول الروح الإنسانية ، ومن الثاني والثالث نفس عيسى وشخصه ، لأن المطهر من مس الشيطان هو شخصه وذلك بدعوة جدة عيسى عليه الصلاة والسّلام امرأة عمران حيث قالتوَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ[ آل عمران : 36 ] وكذا الطهارة من دنس الأصلاب والأرحام إنما هي شأن الشخص لأن الروح الإنسانية لا تتدنس بهما . فأنّث الضمير