تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
التوراة
وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ
أي أرسلنا على أثره الرّسل كقوله تعالى :
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا
[ المؤمنون : 44 ] يقال : قفّاه إذا اتبعه وقفّاه به اتبعه إياه من القفا نحو ذنّبه من الذنب .
شرح
استعارة تبعية . وفي الآية دلالة على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة غير ممكن ، فمن اشتغل بتحصيل أحدهما فوت على نفسه الآخر . حمل بعضهم عدم تخفيف العذاب عنهم على أنه لا ينقطع بل يدوم لأنه لو انقطع لكان قد خفف ، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه ، والأولى أن يقال : إن العذاب قد يخفف بالانقطاع وقد يخفف بالتقليل في بعض الأوقات أو في كلها ، فإذا وصف عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه . والظاهر أن قوله تعالى :وَلا هُمْ يُنْصَرُونَتقديرهوَهُمْ لا يُنْصَرُونَعلى أن لفظ « هم » مبتدأ وما بعده خبره ، وتقديم الضمير فيه ليس للحصر بل للتقوى ورعاية الفاصلة . وهذه الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية التي قبلها وهي قوله :فَلا يُخَفَّفُونفي النصرة أيضا حمله بعضهم على نفي النصرة في الآخرة بمعنى أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا ينصرهم على من يريد عذابهم . والأكثرون حملوه على نفي النصرة في الدنيا ، والمصنف حمله على نفي النصرة في الدنيا والآخرة جميعا حيث قال « بدفعهما عنهم » لأنه تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لما حكم وما أحد يعجزه عن نفاذ مشيئته . قوله تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ )الآيات المجملات من جملة تفاصيل قبائح بني إسرائيل المنافية لأن يطمع منهم في الإيمان حيث بيّن بها وجوها أخر مما أنعم اللّه تعالى به عليهم من إرسال موسى عليه الصلاة والسّلام إليهم ، وإيتائه التوراة جملة واحدة ، وإرسال رسول بعده يقفو رسولا في الدعاء إلى توحيد اللّه تعالى والقيام بشرائع دينه كما قال تعالى :ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا[ المؤمنون : 44 ] أي واحدا بعد واحد متواترين أي متتابعين متعاقبين يقفو بعضهم بعضا ، وأصل تترى وترى من الوتر وهو الفرد . روي أنه بعد موسى عليه الصلاة والسّلام إلى أيام عيسى عليه السّلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في إثر بعض ، وكانت الشريعة واحدة إلى أيام عيسى فإنه عليه الصلاة والسّلام جاء بشريعة مجددة . وقد روي أن اللّه تعالى بعث بعد موسى إلى عصر عيسى أربعة آلاف نبي ، وقيل : سبعين ألف نبي إلا أنهم كانوا على دين موسى وإجراء أحكام شريعته ، ثم جاء عيسى عليه الصلاة والسّلام ناسخا لشريعته . فلذلك خص بالذكر بعدما أجمل ذكر الرسل فإنه تعالى لم يقصر في هدايتهم وإرشادهم ، ثم إنهم قابلوا جميع ذلك بالكفران والأفعال القبيحة إلى أن جاءهم عيسى بالمعجزات الباهرة فكذبوه فكيف يطمع منهم أن يؤمنوا بمن أرسل آخر الزمان والأكمه الذي يولد أعمى ؟ شهد اللّه تعالى بإخباره بالمغيبات بأن حكى عنه قوله :وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما