تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
شرح
التعرض ، ثم وضع موضع الاستقبال لأن الإنسان يستقبل من يتعرض له ، ثم وضع موضع الأخذ والقبول ، لأن الإنسان إنما يستقبل ما يريد أخذه ولأن في استقبال الأعزة ومن يعظم قدره إكراما لهم وإكرام كلمة اللّه تعالى بالقبول والعمل بما فيها وكان آدم يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه . وقال شرف الدين الطيبي : وعلى تقدير أن يفسر تلقي الكلمات بما قيل فقوله : « وإنما لم يجعله من هذا مع ظهوره ليترتب عليه الأخذ » إلى آخره فيه بحث لأن الترتيب المذكور إنما يتأتى بعد صحة استعمال اللفظ في المعنى الذي هو فيه غير ظاهر ، فكيف يصح جعل الترتيب جهة لصحة الاستعمال ؟ والصواب أن يقال : لأن تلقي الكلمات لا يترتب على الإهباط بل متراخ بخلاف الاستقبال فإن ابتداءه وهو الانتظار إلى الكلمات حصل عقيبه بلا تراخ ، إلا أنه يعارض بما يدل عليه قوله تعالى :فَتابَ عَلَيْهِ[ البقرة : 37 ] من ترتيب التوبة على التلقن بمعنى التلقن لا على التلقي بمعنى الاستقبال والانتظار إلى الكلمات ، ولا عبرة بالدليل مع قيام ما يعارضه . والأظهر أن يقال : كل واحد من الاستقبال والتلقن والتوبة عليه يترتب على الإهباط بلا تراخ من حيث إنه لم يتخلل بينهما أمر أجنبي عنهما فأمثال ذلك يقدر عند أهل العربية مما لا تراخي بينهما . وروي عن شهر بن حوشب : مكث آدم ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة ، كذا في رواية محيي السنة ، مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما ولم يقرب آدم حواء مائة سنة . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح لكان بكاء آدم أكثر » . ومن تصور ما جرى على آدم من الحياء والبكاء بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة فقد اتضح عند عظم شأن المعصية وإن كانت صغيرة ، ووخامة أمر الجريمة وإن كانت يسيرة ، وأن آدم عليه السّلام إذا لم يستعن على التوبة إلا بما ذكر مع كونه مسجودا لكافة الملائكة وعلى رأسه تاج الوصلة ، وفي وسطه نطاق القربة لا أحد قدامه في الرتبة ولا شخص مثله في الرفعة ، يتلى عليه النداء في كل لحظة : يا آدم يا آدم فالواحد منا مع كونه مستغرقا في بحار الذنوب والمعاصي أولى بذلك وأحرى يا صاحب الذنوب ، ألم يأن لك أن تتوب يا صاحب الذنوب ذنبك في الكتاب مكتوب يا صاحب الذنوب أنت غدا بالذنوب مطلوب ؟ روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال : « كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال له : هل لقاتل من توبة ؟ قال : لا . فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال : إنه قتل مائة نفس هل من توبة ؟ فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناسا يعبدون اللّه تعالى