تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
أي من الكرامة والنعيم
وَقُلْنَا اهْبِطُوا
خطاب لآدم وحواء لقوله تعالى :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
[ طه : 123 ] وجمع الضمير لأنهما أصلا
شرح
الدخول في فم الحية لقدر أن يجعل نفسه بين نابين من أنيابها فأدخلته الحية وكلمهما من فيها ، وليس هذا دخولا في الجنة من إبليس كما أن الكفار من ذرية آدم كانوا في قلب آدم وهو في الجنة ولم يسم ذلك بدخول الكفار الجنة . وقيل : هذا الكلام على سبيل التمثيل . فقوله : « عرض نفسه على دواب الأرض » أي استعان في إغوائه بالقوة الحيوانية ونظر من أي وجه يمكنه أن يأتيه فلم يجد قوة تصلح لذلك حتى أتى الحية أي الشهوة ، وكنى بالحية عنها لأنها حية مهلكة لا يرى سمها فإن الشيطان لا يأتي الإنسان إلا من قبل هواه . وقوله : « فجعلته بين نابيها » هو كناية عن الأكل إذ هو شهوة يتمكن الشيطان بها من الإنسان ، ولهذا قيل في الخبر : من حفظ بطنه فقد سد على الشيطان بابه ومن شبع قسا قلبه وتمكن منه الشيطان . وقوله : « فلذلك أمر الإنسان بقتلها » أي أمر أن يقهر الشهوة ويذلها حيث طالبته بما ينافيه الإيمان . وهذا الذي ذكره هذا القائل وإن كان صحيحا من حيث المعنى ، ففي صرف الخبر إليه ترك للظاهر وفتح باب من التأويلات منكر . واللّه أعلم بحقائق ما يخبرنا به من الغيوب . قوله : ( من الكرامة والنعيم ) الظاهر أن هذا التفسير مبني على أن يكون ضمير « عنها » للجنة ويكون المعنى : فاذهبهما الشيطان عن الجنة فأخرجهما مما فيها من النعيم والراحة إلى تعب الدنيا . وأما إذا كان الضمير للشجرة وكان المعنى : حملهما على الزلة بسبب الشجرة ، فالظاهر حينئذ أن يقيد ما كانا فيه بالجنة ويكون الهبوط الآتي بمعنى النزول من مكان عال إلى ما هو أسفل منه . وإن صح أنه يراد به مع ذلك سقوط المنزلة فإنه قد كثر في كلامهم استعمال الوقعة والصعقة في المراتب المعنوية كاستعمالها في الأماكن الحسية ، إلا أن الابتلاء بالخروج من الجنة لما كان راجعا إلى الابتلاء بالخروج مما كان لهما في الجنة من الكرامة والنعيم صرح بالمقصود على طريق الاستعارة المكنية والتخييلية حيث شبه ما كانا فيه من الكرامة والنعيم بالمكان الحسي ، وجعل تعلق الإخراج به استعارة تخييلية دليلا على الاستعارة المكنية . قوله : ( لقوله تعالى :قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً) فإنه خطاب لآدم وحواء لا غير . فكذا هذا لأن القصة واحدة ، إلا أنه جمع الضمير ههنا إما لأن أقل الجمع اثنان فيجوز إرجاع الضمير إليهما كما في قوله تعالى :وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ[ الأنبياء : 78 ] إلى قوله :وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ[ الأنبياء : 78 ] وإما بناء على أن الخطاب وإن كان لهما فقط إلا أن المراد هما وذريتهما جميعا بدليل قوله :بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّفإنه حكم بالتعادي وهو