شرح
زلة الرأي مجازا . وضمير عنها على تقدير رجوعه إلى الشجرة تكون كلمة « عن » للسببية والتعليل ، كما في قوله تعالى :وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ[ التوبة : 114 ] والمعنى أوقعه في الزلة بسبب الشجرة . فمقتضى الظاهر أن يقال :
فأزلهما بها إلا أن سبب الفعل لما كان مصدر الدعوى فعل الإزلال بكلمة « عن » الداخلة على السبب لتضمينه معنى الإصدار تعدى تعديته كما في قوله تعالى حكاية عن الخضر لموسى عليه السّلام :وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي[ الكهف : 82 ] أي ما أصدرت فعله عن اجتهادي ورأيي ، وإنما فعلته بأمر اللّه تعالى . وإنما قال : « أصدر زلتهما » ولم يورد الفعل الضمني على طريق الحال بأن يقول : أزلهما مصدر أزلتهما عنها إشارة إلى أن إيراده على ذلك الطريق ليس بلازم في إظهار معنى التضمين . قوله : ( وحملهما الخ ) عطف تفسيري لما قبله لأنه بيان لحاصل المعنى . قوله : ( ونظيره عن ) مبتدأ و « هذه » صفته وفي قوله تعالى خيره أي هي ثابتة فيه ، فإن الموضع موضع الباء السببية إلا أنه أورد بدلها كلمة « عن » باعتبار التضمين . قوله :
( أو أزلهما عن الجنة ) عطف على قوله : « أصدر زلتهما عن الشجرة » يعني أن ضمير « عنها » إن كان للجنة يكون أزل بمعنى أذهب ونحي ، يقال : زل عن المكان إذا تنحى وبعد عنه ، وأزله غيره أي أبعده ، وزل وزال متقاربان في المعنى من حيث أن كل واحد منهما يدل على التحول عن المكان إلا أن مدلول زل هو التحول المخصوص الناشئ عن العثرة ، وزلق الرجل بخلاف زال . فإن قيل : إنه تعالى أضاف الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟ أجيب بأنها من قبيل إضافة الفعل إلى من حصل بسببه الداعية التي تحمل الفاعل على الفعل ، فإن القادر على الفعل والترك مع التساوي يستحيل أن يكون موجدا لأحد الطرفين إلا عند انضمام الداعي إليه والداعي في حق العبد عبارة عن علم أو ظن أو اعتقاد لكون الفعل مشتملا على المصلحة . فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسب منبه نبه عليه جاز إضافة ذلك الفعل إلى ذلك المنبه من حيث كونه سببا لحصول تلك الداعية التي لأجلها صار الفاعل فاعلا بالفعل . قوله : ( وإزلاله قوله : هل أدلك الخ ) فإن هذه الأقوال دعاء منه لهما إلى ما هو سبب لزلتهما وخروجهما مما كانا فيه من أنواع الكرامة التي كانت لهما في الجنة . فإنهما انخلعا منها جميعا إلى شقاء الدنيا لأنهما حين سمعا منهما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ[ الأعراف : 20 ] جاز أن يطمعا في أن يجعلهما في معنى الملائكة بأن يجعل غذاءهما طاعته وعبادته وأن يكون ذكره تعالى كفاية لهما عن الغذاء ، فإن اللّه تعالى قادر على ذلك بل على أن يجعل البشر من الملائكة حقيقة ويجعله روحانيّا ويرفع عنه الكثافة ، وجاز أن يكون عالما بأنه يموت ولا يبقى خالدا في الجنة فيطمع في ذلك