واختلف في أنه تمثّل لهما فقاولهما بذلك أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة وأنه كيف
شرح
بقربان الشجرة ، أما لو علم بطريق الوحي أنه يموت فلا يكون قوله ذلك سببا لطمعه في الخلود . فإن قيل : كيف يجوز أن يكون الشيطان سببا لزلة آدم ومخالفته لأمر اللّه تعالى مع أن طاعة الشيطان كفر وذلك لا يتصور من الأنبياء ؟ فالجواب أنه لا يكفر بذلك وإن كان فيه عصيان الرب ومخالفة أمره وطاعة الشيطان ، وإنما يكفر إذا قصد بذلك طاعة الشيطان ومخالفة الرب . وكذلك روي عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه أنه سئل عن ذلك فأجاب مثل هذا الجواب أو قريبا منه . والأصل أن العصيان ليس فيه طاعة الشيطان لأن الطاعة ليست باسم لذات الفعل نفسه وإنما تصير طاعة بالقصد ، ولا يقصد المؤمن بما يبتلى به من العصيان طاعة الشيطان ومخالفة الرب فلا يكون ذلك طاعة له غير أن الشيطان يفرح ويسر بإتيان العصيان . فإن من أقدم على قتل رجل لعداوة بينهما أو حرض غيره على ذلك بأن قال له :
اقتل هذا العدو فإنك إن قتلته لا تقتل مكانه ولا أحد يطلب ثأره منك فقتله ، كان قتله إياه لغرض نفسه غير مبني على تصديق ذلك الغير فيما يحرضه عليه والقبول منه . وكذا حال آدم وحواء عليهما السّلام فإنهما كانا عالمين بأن الذي يوسوس إليهما ويحلف على أن ما يدعيه نصيحة لهما هو إبليس اللعين لكنهما ما أكلا من الشجرة موافقة له ولا قبلا منه النصيحة ولا صدقاه في ذلك ، بل أكلا على الشهوة لميلان الطبع إليه كمباشرة المعصية الواقعة من عامة المسلمين فإن ذلك إنما هو بميلان طبعهم إليها لا لقصد المخالفة للّه تعالى . والطاعة لإبليس وإن وقعت مباشرة الأكل منهما عقيب دعوة الشيطان إليها ومقاسمته أي حلفه في حال وسوسته لهما على أنه إنما يقول ما يدعيه عن نصيحة لهما فشابهت بذلك أنها وقعت بناء على القبول والتصديق له وإن لم تكن كذلك حقيقة .
قوله : ( واختلف في أنه تمثل لهما ) أي في أن إبليس هل تشكل بشكل حتى شاهداه عيانا فكالمهما مشافهة ووجاها كما يخاطب بعض الناس بعضا كذلك بقوله : هل أدلك على شجرة الخلد أو نحوه ؟ أو ألقي تلك المقالات إليهما بطريق الوسوسة والكلام الخفي كما يوسوس في صدور الناس من غير أن يرى ويشاهد ؟ كما قال في موضع آخرفَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما[ الأعراف : 20 ] فإنهما قبل التناول من الشجرة لا يرى واحد منهما عورة نفسه ولا غيره ، بدليل أن مقابلة الاثنين بالاثنين تقتضي انقسام الآحاد إلى الآحاد كما في : ركب الناس دوابهم ولبسوا ثيابهم . وقيل : بدت لهما فأبصر كل واحد منهما من صاحبه ما ووري عنه من عورته قبل ذلك ، وهو خلاف ما يفهم من النظم .
واحتج من يقول بأنه تمثل لهما وخاطبهما مواجهة بما روي أنه لما كفر ولعن وآيس من رحمة اللّه تعالى وغلبت عليه الشقوة والمذلة ورآهما وهما يتقلبان في نعم اللّه تعالى ويتنعمان