إلى الكفر والحثّ على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره وأن الأمر للوجوب ، وأن الذي علم اللّه من حاله أنه يتوفّى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الحال مؤمنا وهو الموافاة المنسوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه .
شرح
« قد » إلى أنه وإن كان مستقبحا شرعا قد لا يفضي إلى الكفر . ومن فوائدها شهادة قوله تعالى : « قلنا لهم اسجدوا فسجدوا » بالفاء الدالة على التعقيب وعدم التراخي وقوله : « وترك الخوض » مجرور بالعطف « على الائتمار » أي ومن فوائدها الحث على الامتثال لأمره تعالى مع ترك الخوض في سر أمره بأن لا يستكشف سره ولا يطلب وجهه وحكمته ، كامتثال الملائكة بدون الشروع فيه فإن إبليس لما خاض فيه عوقب . والخوض في اللغة مطلق الشروع ، وخص في العرف بالشروع في الباطل ففيه إشارة إلى أن استكشاف سر الأمر باطل .
ومن فوائدها أن الأمر للوجوب بدليل أنه عوقب على ترك الامتثال فلو لم يكن الأمر للوجوب لكان له أن يقول : إنك ما ألزمتني السجود فعلى ما اللوم والإنكار والتوبيخ ؟ ومن فوائدها أن من علم اللّه من حاله أن يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة فإنه تعالى لما علم من حال إبليس أنه يختم له على الكفر قال في حقهوَكانَ مِنَ الْكافِرِينَوأما من ختم له على الإيمان سواء كان إيمانه مسبوقا بالكفر أم لا فلذلك الإيمان هو الذي كان علامة الفوز وآية النجاة ، فإن الإيمان الطارىء على الكفر يهدم ما قبله ويجعله كأن لم يكن قط ، كما ورد من أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له . واعلم أنه قد اختلف في أن من ثبت في علم اللّه تعالى أنه يموت كافرا - نعوذ باللّه من ذلك - هل هو كافر من أول زمان وجوده إلى موته أولا ؟ وأن إبليس هل كان كافرا أبدا أو كان مؤمنا حقّا ثم كفر بعد ذلك ؟ فذهب أصحاب الموافات ، وهم أصحاب الشيخ أبي الحسن الأشعري القائلون بالموافاة أي موافات الموت وإتيانه على المرء وهو مؤمن ، إلى الأول وذهب آخرون إلى الثاني . فقوله تعالى :وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَعند أصحاب الموافاة على ظاهره لأن إبليس قبل استكباره كافر عندهم ، وعند الآخرين معناه أنه صار من الكافرين أو كان منهم في علم اللّه تعالى على معنى أنه تعالى كان عالما في الأزل بأنه سيكفر ، فمقتضى صنيعه كان تقدم العلم على الاستكبار لا تقدم المعلوم . ومعنى الموافاة الإتيان والوصول إلى آخر الحياة وأول منازل الآخرة . يقال :
وافى فلان إذا أتى . قال الشاعر :كالغيب إن جئته وأفاك ريقه * وإن ترحلت عنه لح في الطلبفعندهم لا يوصف المرء إلا بما كان عليه وقت الوفاة من إيمان أو كفر ولا يسمى بما كان عليه قبل ذلك ، ولا يخفى أنه إنكار لما ثبت عيانا وإبطال للحقايق . قوله : ( وهو الموافاة ) أي كون العبرة في توصيف المرء بالإيمان أو الكفر بخاتمة عمره هو الموافاة .