كان جنّيا نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه . أو الجن أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلّل لأحد والتوسل به علم أن الأصاغر أيضا مأمورون به . والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلتين فكأنه قال : فسجد المأمورون بالسجود إلّا إبليس وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة ، كما أن من الإنس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة . ولعلّ ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات وإنما
شرح
فيصدق بذلك أن يقال إنه كان من الجن وإنه كان من الملائكة ، لأنه وإن كان جنيا إلا أنه نشأ أي كبر وبلغ حد الشباب بين الملائكة . يقال : نشأت في بني فلان إذا شببت فيهم .
قوله : ( وكان مغمورا ) أي مكثورا ومغلوبا بالألوف من الملائكة فغلبوا عليه فتناول أمر الملائكة إياه . وصح استثناؤه منهم أي من ضمير فسجدوا استثناء متصلا لأنه تعالى لما غلبهم عليه فسمى الجميع ملائكة لكونه مغلوبا ومستورا بهم كان داخلا فيهم بالتغليب فدخل تحت أمرهم . وقوله : « أو الجن أيضا » أي فيكون المأمور بالسجود على هذا الوجه هو طائفة الجن بأسرهم فيدخل إبليس تحت أمر تلك الطائفة لكونه من آحادها حقيقة . ووجه دلالة الآية على كون الملائكة مأمورين بالسجود وكون الجن مأمورين معهم بالسجود ، إنما هو بالأولوية كما يدله عليه قول المصنف : « فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضا أن الأصاغر أيضا مأمورون به » ويدل عليه أيضا كلام الراغب حيث قال : وقيل : إن الجن كانوا مأمورين مع الملائكة بالسجود لكن لم يحتج إلى ذكرهم فالسلطان إذا أمر أماثل رعيته بالخضوع لإنسان فمعلوم أن أصاغرهم مأمورون بذلك أيضا . قوله : ( وإن من الملائكة ) عطف على قوله : « وإن إبليس كان من الملائكة » والآية تدل أيضا على أن من الملائكة من ليس بمعصوم لأنها دلت على أن إبليس كان من الملائكة وعلى أنه قد تحقق منه العصيان والكفر ، فيكون قوله تعالى في حق الملائكة أنهم :عِبادٌ مُكْرَمُونَ[ الأنبياء : 26 ]لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ[ التحريم : 6 ] بيانا لحال أكثرهم . وأشار إليه المصنف بقوله : « وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أن من الناس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة » . قوله : ( ولعل ضربا من الملائكة ) لما ذكر أن إبليس من الملائكة وأنه قد عصى وكفر فظهر به أن العصمة ليست لازمة للملائكة ، وأشار إلى أن قوله تعالى في وصف الملائكة أنهمعِبادٌ مُكْرَمُونَ[ الأنبياء : 26 ]لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ[ التحريم : 6 ] بيان لحال الأكثر . وورد عليه أنه مخالف لما قال الإمام من أن الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة من جميع الذنوب وأن من الحشوية من يخالف ذلك .
أشار إلى جوابه برفع المخالفة بين كلامه وكلام الإمام بناء على جواز أن يكون في الملائكة