شرح
قوله : ( صفة مصدر محذوف ) أي أكلا رغدا ، ورفاهية العيش سعته ، وسعة الأكل أن لا يكون فيه مضايقة بوجه ما مثل أن يكون متعلقا بنوع مخصوص فقط أو متقيدا بزمان مخصوص أو مكان مخصوص . ولهذا قيل : الأكل الرغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء ، والرغد والرغيد والرغد صفات مشبهة يقال : رغد عيشهم ورغد بكسر الغين المعجمة وضمها يرغد بفتح الغين رغدا فهو رغيد ورغد ورغد أي طيب واسع .
قوله : ( أي مكان من الجنة ) إشارة إلى أن « حيث » ظرف مكان مبهم كالجهات الست والعامل فيه « كلا » أي كلا في أي مكان شئتما . وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلا من الجنة فيكون معمولا ل « اسكن » والأول أولى للقرب والتناسب لأنه على تقدير البدلية يلزم الفصل بين البدل والمبدل منه ، ويفوت التناسب أيضا لأن المناسب حمله على توسيع أمر الأكل عليهما إزاحة للعذر في التناول ، ويفهم منهم توسيع أمر السكنى عليهما ضمنا ، وعلى تقدير جعله بدلا يكون المقصود توسيع أمر السكنى عليهما قصدا . قوله : ( وسع الأمر عليهما ) أي أباح لهما الأكل من الجنة على وجه التوسع بأن يأكلا ما شاءا إذا شاءا حيث شاءا لئلا يبقى لهما علة وعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها . والإزاحة الإزالة .
قوله : ( مبالغة في تحريمه ) علة لقوله « تعليق النهي » يعني أن المقصود بالتحريم هو التناول من الشجرة إلا أنه علق النهي بما هو من مقدمات الأكل والتناول مبالغة في تحريم الأكل من حيث دلالته على أن الأكل بلغ في الحرمة إلى حيث حرم أن يحام حول الشجرة فضلا عن أن تتناول ثمرتها . وفي تعليق النهي بذلك فائدة أخرى غير المبالغة في التحريم ، وهي ما أشار إليه بقوله : « وتنبيها على أن القرب من الشيء مقتض للألفة به » والألفة داعية إلى المحبة ومحبة الشيء تعمي عن رؤية ما فيه من القبح وتصم عن استماع النهي المعلق بارتكابه ، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام : « لكل ملك حمى ألا وإن حمى اللّه محارمه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » . قوله : ( يأخذ بمجامع القلب ) أي بأطرافه وجوانبه كأن كل طرف مجمع للخواطر فإذا أخذ الميل بجميع جوانب القلب لم يبق فيه إلا خاطر نيله والوقوع فيه فيكون مشغولا معرضا عما هو مقتضى العقل والشرع فيقع فيما يستقبحانه ، فلذا نهيا عن القرب مما حرم عليهما مخافة أن يقعا فيه . قوله : ( وجعله سببا لأن يكونا من الظالمين ) عطف على قوله : « تعليق النهي بالقرب » وهو وجه ثان للمبالغة فإنه لما كان القرب سببا لأن يكونا من الظالمين دل ذلك على أن كون التناول سببا لذلك أولى وأحرى ، فكان جعل القرب سببا له مبالغة في كون نفس التناول مسببا له . وهذا الجعل يتضمن المبالغة من وجه آخر وهو أن يكون مسببه كون من قرب منه ظالما فإنه نوع تشديد ومبالغة في النهي عن