تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجنّ يشملهما وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عباس . ولذلك صحّ عليه التغير عن حاله والهبوط من محله كما أشار إليه بقوله عزّ وعلا :
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[ الكهف : 50 ] لا يقال كيف يصحّ ذلك والملائكة خلقت من نور والجنّ من نار ، لما روت عائشة رضي
شرح
ضرب يتحد مع الشياطين بحسب الذات والحقيقة ، ويختلف بحسب العوارض والأوصاف الخارجية عن ماهيتها كالأبرار والفساق من الإنس فإنهما متحدان بحسب الماهية النوعية ومختلفان بحسب كون أحدهما بارّا مطيعا وكون الآخر فاسقا عاصيا . ويكون الجن بمعنى الجسم اللطيف المستتر عن الأعين قدرا مشتركا بين صنفي الملائكة والشياطين ، وعرضا عاما شاملا لجميع أفراد الحقيقة النوعية من الصنفين المذكورين ، لأن الجن اسم مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار والإخفاء عن أعين البشر فيكون صادقا على جميع أفراد تلك الحقيقة فمن صدق عليه مفهوم الجن إن فعل خيرا وظهر عن الشرور والخبائث يقال له : ملك ، وإن خبث وكان شأنه الإغواء والإفساد يقال له : شيطان . فالملك اسم للصنف المعصوم من الجن بالمعنى المذكور والشيطان اسم للصنف الآخر منه وهو ما لا يكون معصوما بل يكون خبيثا مفسدا . فصح أن يقال لإبليس مع كونه من أفراد الصنف الخبيث للجن إنه من الملائكة لكونه من أفراد ماهية الضرب المذكور من الملائكة المتحد مع الشياطين في الماهية ، وصح أن يقال لفرد من فسقة الإنس إنه من أبرار الإنس بمعنى أنه فرد من أفراد حقيقة الإنس وإنه لا يباين الأبرار بالماهية وإنما يخالف بالأوصاف والعوارض كما يصح أن يقال له إنه من الجن لصدق مفهوم الجسم اللطيف المستتر عن أعين البشر عليه . فعدم عصمة إبليس مع كونه من الملائكة أي من أفراد الحقيقة النوعية لهذا الوصف الذي هو فرد اعتباري للحقيقة النوعية المشتركة بين صنفي الملك والشيطان . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون إبليس من هذا الضرب من الملائكة وهو الذي لا يخالف الشياطين بالماهية بل بالعوارض صح عليه أن يتغير عن صفة الملائكة وينتقل إلى صفة الشياطين . قوله : ( لا يقال كيف يصح ذلك ) أي كيف يصح اتحاد ضرب من الملائكة مع الجن والشياطين بحسب الذات والحقيقة مع أن اتحاد حقيقة الشيئين يستلزم اتحاد مادتيهما ، ومادة الجن تخالف مادة الملائكة لقوله عليه الصلاة والسّلام : « خلقت الملائكة من النور وخلقت الجن من مارج من نار » فإن الجان أبو الجن خلق منها وهو مباين للنور ؟ وأجاب عنه بأن الحديث المذكور لا ينافي ما ذكرنا من أن ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات وإنما ينافيه لو كان صريحا في اختلاف ماهيتهما حقيقة وهو ممنوع لأنه كالتمثيل والتصوير ، لما ذكرنا من أن ضربا من الملائكة متحد مع الشياطين بالذات والماهية مخالف لهم بالعوارض والأوصاف . فإن بيان أن أحدهما مخلوق
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 534 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين