تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
اللّه عنها أنه عليه السّلام قال : « خلقت الملائكة من النور وخلق الجنّ من مارج من نار » . لأنه كالتمثيل لما ذكرت . فإنّ المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك غير أنّ ضوءها مكدّر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق ، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف ، وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص والعلم عند اللّه تعالى . ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنّه قد يفضي بصاحبه
شرح
من النور والآخر مخلوق من النار بمنزلة أن يقال إن مادتيهما متحدتان بالذات مختلفتان بالأوصاف والعوارض فهما مخلوقان من نوع واحد وهو الجوهر المضيء ، فإن ماهية النور الجوهر المضيء والنار كذلك . فاتحاد مادتيهما بالماهية وإن اختلفا بالعوارض ، فإن النور جوهر مضيء صاف لا يشوبه شيء مما يكدره بخلاف النار فإنه غير خالص عما يكدره من الدخان في أكثر الأحوال ، فالنار والنور صنفان مختلفان بالعوارض مندرجان تحت ماهية الجوهر المضيء . قوله : ( وهذا ) أي القول بأن ضربا من الملائكة متحد مع الشياطين بالماهية مخالف لهم بالعوارض والصفات ، وإن الحديث المروي كإيراد المثال له أشبه بالصواب لأنه حينئذ يتأتى أن يكون استثناء إبليس من الملائكة متصلا وهو الأصل فيه ، ويكون قوله تعالى :كانَ مِنَ الْجِنِّ[ الكهف : 50 ] حقيقة وقول الملائكةبَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ[ سبأ : 41 ] في جواب قوله تعالى :أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ[ سبأ : 40 ] وإن دل على أن الجن غير الملك إلا أنه لا يوجب المغايرة بحسب الماهية بل يكفيه المغايرة بحسب الأوصاف والعوارض ، ولأنه حينئذ تندفع المخالفة بين النصوص الدالة على أن الشياطين كان لها ذرية وأن الملائكة لا أنثى فيهم ولا ذرية لهم وعلى أن الملائكة معصومون بخلاف الشياطين ، فإنه حينئذ يجوز أن يكون فرد من أفراد الجن ملكا مأمورا بالسجود مع جملة الملائكة وأن يكون مستثنى منهم وأن ينحط عن مرتبة الملائكة ويكون شيطانا رجيما . ولا ينافيه اتفاق جمهور علماء الدين على عصمة كل واحد من الملائكة من جميع الذنوب لأن معنى كلامهم : إن الملك ما دام ملكا بأن لم يتغير حاله فهو معصوم بخلاف من تغير حاله بأن اتصف بصفة الشياطين ، فإنه حينئذ لا يسمى ملكا بل يسمى شيطانا فلا يكون حينئذ معصوما . قوله : ( ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار ) أي مطلقا سواء كان استكبارا عن طاعة اللّه تعالى أو غيرها حيث قال تعالى في ذم إبليسأَبى وَاسْتَكْبَرَأطلق الاستكبار ولم يقيده بكونه استكبارا عن طاعته تعالى ، فهذا الإطلاق دل على أن الاستكبار مطلقا قبيح شرعا . ومن فوائدها أن الاستكبار قد يفضي بصاحبه إلى الكفر حيث أفضى استكبار إبليس إليه بدلالة قوله تعالى :وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَأي صار بسبب إبائه واستكباره من الكافرين ، وأشار بلفظ
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 535 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين