شرح
قوله : ( وإلا لم يتناوله أمرهم ) أي ولو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان مأمورا بالسجود لآدم في ضمن أمر الملائكة بالسجود له وهو مأمور بالسجود لقوله تعالى :ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ[ الأعراف : 12 ] ولم يذكر في قصة من القصص مع كثرة تكرارها في القرآن ولا في غيره من الكتب السالفة أمر إبليس بالسجود لآدم نصا صريحا ، فتعين أنه كان مأمورا به في ضمن أمر الملائكة بالسجود له وأن أمر الملائكة يتناوله أيضا ولن يتناوله أمرهم إلا بأن كان من نوع الملائكة وهو المطلوب . قوله : ( ولم يصح استثناؤه منهم ) يعني أنه لو لم يكن من الملائكة لما صح استثناؤه منهم ، لأن الاستثناء إنما يتعلق بما يكون من جنس المستثنى منه فيكون استثناؤه من الملائكة مستلزما لكونه من الملائكة ، والاستثناء المنقطع وإن كان شائعا مشهورا في كلام العرب إلا أنه خلاف الأصل فلا يقع في الكلام الفصيح .
قوله : ( ولا يرد على ذلك قوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ) جواب عما يقال : كيف يكون إبليس من الملائكة وقد نص في القرآن على أنه كان من الجن وهو مباين للملك لقوله تعالى :وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ[ سبإ : 40 ، 41 ] فإنه صريح في المباينة بين الجن والملك ؟
أجاب عنه أولا بأن كون إبليس فردا من أفراد الملائكة واتحاده معهم بالنوع لا ينافي كونه من الجن فعلا ، فإنه يجوز أن يكون معنى قوله تعالىكانَ مِنَ الْجِنِّ[ الكهف : 50 ] أنه مع كونه ملكا كان من الجن فعلا . غاية ما في الباب أن لا تكون العصمة لازمة لكل فرد من أفراد الملائكة بأن يصدر عن بعض أفرادهم العصيان للّه تعالى والكفر به كما صدر ذلك عن إبليس اللعين مع كونه واحدا منهم ، ويكون قوله تعالى في حقهم :لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ[ التحريم : 6 ] بيانا لحال الأكثر . وأجاب ثانيا بتسليم أن يكون معنى قوله تعالى :كانَ مِنَ الْجِنِّ[ الكهف : 50 ] أنه كان منهم نوعا ومنع أن يكون ذلك منافيا لكونه من الملائكة نوعا بما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه : أن الملائكة على ثلاثة أضرب :
ضرب منهم يقال له الجن ومنهم إبليس ولهم توالد ونسل ولهذا قال تعالى في حق إبليسأَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي[ الكهف : 50 ] . قوله : ( ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة ) قال أكثر المتكلمين ولا سيما المعتزلة منهم : إنه لم يكن من الملائكة أصلا بل كان من الجن ، وهو مروي عن ابن عباس وابن زيد والحسن البصري وقتادة وأبي بكر الأصم وقالوا : إنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر . وروي أن إبليس كان من الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم وحاربتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة دهرا طويلا فصار من الملائكة حكما لقوله عليه الصلاة والسّلام : « إن مولى القوم منهم » وإن كان من الجن نسبا