وقال :
وقلن له اسجد لليلى فأسجدا
يعني البعير إذا طأطأ رأسه . وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة والمأمور به . أما المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو اللّه تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه أو سببا لوجوبه فكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون أنموذجا للمبدعات كلّها بل الموجودات بأسرها ونسخة لما في العالم الروحاني والجسماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدّر لهم من الكمالات ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات أمرهم بالسجود تذللّا لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته وشكرا لما أنعم عليهم بواسطته ، فاللام فيه كاللام في قول حسّان رضي اللّه تعالى عنه :
أليس أوّل من صلّى لقبلتكم * وأعرف الناس بالقرآن والسّنن
شرح
وسكون الجيم مثل : جمرة وجمرات ، وحجرات القوم ناحية دارهم والأكم في البيت بضم الهمزة وسكون الكاف والمراد به الجبال الصغيرة الواحد أكمة محركة ، والجمع أكمات وأكم وجمع الأكم آكام مثل : جبل وجبال ، وجمع الآكام أكم مثل : كتاب وكتب ، وجمع الأكم آكام مثل : عنق وأعناق وجمع الجمع يراد به التكثير أو الضروب المختلفة . وضمير « فيه » للجمع المذكور وكذا ضمير حجراته . وسجدا جمع ساجد بمعنى خاضع وذليل . وصف الشاعر جماعة الفرسان بالكثرة والازدحام بحيث تغيب فيهم الأفراس البلق التي من شأنها الظهور والاشتهار ، ووصفهم أيضا بسرعة السير وشدته بحيث يجعل الجبال الصغار مذللة للحوافر ومقهورة تحتها حتى كأنها إذا رأت الحوافر يسجدون لها ويدخلن تحتها . وقال أعرابي من بني أسد :( وقلن له اسجد لليلى فأسجدا )يعني بالضمير البارز في قوله : « له » وبالمستكن في قوله : « أسجد » وأسجدا البعير وأسجد أمر من أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وحناه يعني أنهن قلن للبعير : طأطىء رأسك لليلى لتركب عليك فطأطأ رأسه ، كما في الصحاح ، ليكون تفسيرا لقوله : أسجد فاسجدا .
والألف فيه للإشباع . قوله : ( وفي الشرع ) عطف على قوله : « في الأصل » . قوله : ( والمأمور به ) يعني أن السجود المأمور به إن كان السجود بالمعنى الشرعي لا يجوز أن يكون المسجود له هو آدم عليه السّلام ، لأن العبادة لغير اللّه تعالى كفر واللّه تعالى لا يأمر بالكفر بل المسجود له في الحقيقة هو اللّه تعالى ، وجعل آدم قبلة لسجودهم كما جعلت الكعبة قبلة لسجودنا . قوله : ( تفخيما لشأنه ) علة لجعله قبلة وقوله : « أو سببا لوجوبه » عطف على قوله :