أنت العليم الحكيم ، وأن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة والحكماء منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم وحملوا عليه قوله تعالى :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ الزمر : 9 ] وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها .
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
لما أنبأهم بالأسماء وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له اعترافا بفضله وأداء لحقه واعتذارا عما قالوا فيه . وقيل : أمرهم به قبل
شرح
عن المادة ليست بجسمانيات ، والكلام اللفظي إنما يكون بالصوت الحاصل بالقرع أو القلع المخصوصين بالأجسام الكثيفة . والحكم السادس كون مفهوم الحكمة زائدا على مفهوم العلم وإلا لكان إيراد الحكيم بعد العليم تكرارا ، وإنما كان مفهومها زائدا على مفهوم العلم لأنها عبارة عن علم يترتب عليه إتقان العلم . والحكم السابع كون علوم الملائكة تقبل الزيادة ويدل عليه قوله تعالى :فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْفإنه صريح في أن بعض علومهم وهو علم الأسماء إنما حصل بإنباء آدم عليه السّلام إياهم بها ، والحكماء الإسلامية وإن قالوا به في الملائكة السفلية الأرضية لكنهم منعوه في الطبقة العليا منهم حيث قالوا : إن القول جامعة للكمالات الممكنة لهم وهي حاصلة لهم بالفعل دائما . قوله : ( وحملوا عليه ) أي على أن علوم الملائكة وكمالاتهم لا تقبل الزيادة حيث قالوا في تفسير الآية : ما منا أحد إلا له مقام ومرتبة معلومة في العلم والكمال لا يتجاوزه أصلا وصف الحكماء بالإسلامية لأنهم هم المتمسكون بالآية . والحكم الثامن كون آدم أفضل من هؤلاء الملائكة بدليل كونه أعلم منهم حيث عجزوا عن علم الأسماء والإنباء بها وهو أعلمهم إياها والأعلم أفضل . والحكم التاسع أنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها بدليل قوله تعالى :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًإِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَفقد أخبر قبل خلق آدم بإيجاده واستخلافه ثم أخبر بإحاطة علمه بجميع ما لا يعلمونه ومن جملته أحوال آدم وفضله على الملائكة بعلم الأسماء مع عجزهم عنه ، وذلك يستلزم أن يعلم آدم وأحواله قبل حدوثه وعلمه الأزلي لا يتجدد ولا يتغير بتجدد المعلومات وتغيرها ، وإنما التغير في التعلقات والإضافات . وذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث الجزئية قبل وقوعها وإنما يعلمها في أوقات وقوعها والذي يعلمه في الأزل إنما هو الماهيات والحقائق الكلية .
قوله : ( لما أنبأهم بالأسماء ) اختار كون أمر الملائكة بسجودهم لآدم واقعا بعد أن علّمه الأسماء وأظهر فضله عليهم كما يدل عليه سوق نظم الآية . قوله : ( اعترفا بفضله ) وما عطف عليه علة لسجودهم لآدم . قوله : ( وأداء لحق ) أي لحق تعليمه إياهم ما لا يعلمون وشكرا له فإن كل من يتوسل بغيره في حصول مقصوده ونيل مطلوبه حق عليه أن يعظمه