تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ
امتنع عمّا أمر به استكبارا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه أو يعظمه ويتلقاه بالتحية أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه . والإباء امتناع باختيار والتكبّر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره ، والاستكبار طلب ذلك
شرح
كان معه في محاربة الجن . وإنما كان الكلام فيه ما سبق لأن تعريف لفظ الملائكة هنا للمعهودين هناك فكأنه قيل : وإذ قلنا لهؤلاء الملائكة الذين قيل لهم : إني جاعل في الأرض خليفة اسجدوا لآدم ، فإن كان المراد بهم هناك عموم أو خصوص أريد بهم هنا أيضا كذلك . وأكثر المفسرين على أن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم حتى الملائكة المقربون ، لأن لفظ الملائكة لكونه جمعا محلى باللام يفيد العموم لا سيما وقد أكد بقوله : « كلهم » أجمعون ولا يقال : استثنى إبليس . واستثناء شخص من حكم اللفظ الموضوع للعموم يدل على أن من عدا ذلك الشخص كان داخلا في ذلك الحكم ، ومنهم من أنكر ذلك وقال : المأمورون بالسجود ملائكة الأرض دون ملائكة السماء ، قال به لاستعظامه أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك . واللّه تعالى أعلم . قوله : ( امتنع عما أمر به ) أي باختياره من غير أن يكون له عذر فيه لما صرح به من أن الإباء امتناع باختيار ، فيكون أخص مطلقا من الامتناع . والظاهر أن قوله تعالى :أَبىاستيناف فإنه تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين كان مظنة أن يسأل ويقال : هل له عذر في ترك السجود ؟ فأجيب بأنه ليس له عذر في ذلك بل تركه مع القدرة عليه ، وعطف عليه قوله :وَاسْتَكْبَرَبيانا لعلة إبائه ، فإن علة الحكم تجامعه في الوجود وإن كانت مقدمة عليه بالذات . وكذا الكلام في قوله تعالى :وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَفإنه إن أوّل بأنه كان منهم في علم اللّه تعالى يكون علة للإباء المعلل بالاستكبار ، فالمعنى أن إباءه للاستكبار وأن استكباره لكونه من الفكرة في علمه تعالى ، وإن أوّل بأنه صار منهم فوجه العطف ظاهر . قوله : ( من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه ) مبني على أن يكون المأمور به السجود بالمعنى الشرعي ويكون آدم عليه السّلام قبلة لسجودهم أو سببا لوجوبه عليهم ، فإن آدم على التقريرين يكون وصلة لعبادة ربهم بالسجود له . قوله : ( أو يعظمه ويتلقاه بالتحية ) مبني على أن يكون المأمور به المحتمل الأول من المعنى اللغوي للسجود وهو ما ذكره بقوله : « وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له » وقوله : « أو يخدمه » مبني على أن يكون المأمور به المحتمل الثاني منه . والفرق بين التكبر والاستكبار أن التكبر هو أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره في الفضل وهو مذموم ، وإن كان ممكن هو أكبر في الواقع بحسب الفضل والشرف . والاستكبار طلب التكبر بمباشرة ما يدل عليه ، والتشيع ادعاء الشبع مع كونه جائعا محتاجا . وفي الصحاح : المتشبع المتزين بأكثر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين بالباطل .