العلم بالمعاني . والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدّا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصّها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفيّة الآتها .
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمنا إذ
شرح
الاصطلاحي . قال الإمام : إن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة لكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به . قوله : ( والمعنى ) أي معنى قوله تعالى :وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَأنه تعالى خلقه من أجزاء لطيفة فإن أصل أجزائه العناصر الأربعة ، وأجزاء بنيه لحم وشحم وعظم وعرق وقلب وكبد ومعي وقوى متباينة بعضها مختصة بالبدن وبعضها بالنفس الناطقة ، وحصل له بحسب القوى المختلفة معارف مختلفة وأحوال متفاوتة . فإن له بحسب الحواس الخمس معارف محسوسة وبحسب العقل معارف معقولة وبحسب الوهم والخيال معارف موهومة مخيلة ، وحصل له بحسب التراكيب البدنية وبسائطها أفعال متباينة ومهن متفاوتة كالكتابة والخياطة والنجارة وسائر الصناعات ، وكل ذلك معدوم في الملك لانعدام كثافة الجسم المركب من الأجزاء المختلفة وما يتفرع عليها من القوى الجسمانية المتباينة والحواس الظاهرة والباطنة فيفوت عنه الإدراكات المبنية عليها . فإن المحسوس لا يدركه خصوصا إلا ذو الحاجة والمهن البدنية لا يتعاطاها إلا من ركب تركيب الإنسان من القوى البدنية المتفاوتة ولا يصلح للخلافة في الأرض إلا المركب الجامع لجميع القوى الإنسانية والملكية . قوله :
( وألهمه ) عطف على قوله : « خلقه مستعدا لإدراك أنواع المدركات » يعني أنه لم يبقه على الاستعداد المحض بل أخرجه كماله من القوة إلى الفعل حيث ألهمه معرفة ذوات الأشياء أي حقائقها التي كل واحدة منها مغايرة لما عداها ومعرفة ما يخصها من الصفات والمنافع والمضار ، ومعرفة أسمائها أي الألفاظ الموضوعة بإزائها ، ومعرفة أصول العلوم أي قواعدها الكلية ، وقوانين الصناعات أي الأمور الكلية التي يحتاج إليها في الصناعات والحرف .
والمقصود من هذا الكلام أي من بيان معنى قوله تعالى :وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَرفع سؤال يرد ههنا من قبل الملائكة بأن يقولوا لا يلزم من علمه وإنبائه ما لا نعلمه ولا نقدر على الإنباء به فضله علينا فإنه إنما علم ذلك بتعليمك إياه ونحن إنما لم نعلمه لعدم تعليمكه إيانا ، وإنما يلزم فضله علينا أن لو علم بلا تعليم . وحاصل الجواب أن المراد بتعليمه خلقه بحيث يستعد لإدراك أنواع المدركات المذكورة وإلهام معرفة تلك الأمور المسطورة بخلاف الملائكة فإنهم لم يخلقوا على ذلك الاستعداد فلم يتصور إلهامهم معرفة تلك الأمور .
قوله : ( الضمير فيه ) أي الضمير المنصوب في قولهثُمَّ عَرَضَهُمْلكونه ضميرا لعقلاء الذكور لا يصح رجوعه إلى الأسماء سواء أريد به الألفاظ الموضوعة مطلقا أو ما يدل عليه