تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
روعه ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل . والتعليم فعل يترتّب عليه العلم غالبا
شرح
تعالى خلقا وهو العلوم الاستدلالية عند أهل السنة . والعلم الموهبي قسمان : قسم يحصل في العبد بمجرد خلق اللّه تعالى إياه بالذات من غير توقف على شيء آخر من حدس أو تجربة أو إلقاء ملك أو نحو ذلك ، وقسم يحصل فيه بالإلهام الذي هو إلقاء في القلب بواسطة الملك . والمصنف أشار إليهما بقوله : « إما بخلق علم ضروري بها فيه » أي بالأسماء في آدم أو إلقاء في روعه فإن الإلقاء المذكور فعله تعالى بواسطة الملك كما في قوله عليه الصلاة والسّلام : أن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها » . وتعليم اللّه تعالى عباده يكون على أحد ثلاثة أوجه ، وقد أشار إلى ذلك بقوله عز من قائل :وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا[ الشورى : 51 ] الآية فذكروا في مكالمته للبشر على أحد هذه الوجوه الثلاثة أن أشرفها ما كان بإرسال رسول يرى ذاته ويسمع خطابه كالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع جبريل عليه السّلام ، والثاني ما كان بإلقاء الكلام في السمع من غير رؤية المتكلم به كحال موسى صلّى اللّه عليه وسلّم في ابتداء أمره ، والثالث ما كان بوحي . والمراد بالوحي ههنا الإلقاء في الروع سواء كان بالذات أو بواسطة الملك . والأحاديث القدسية أي الربانية من قبيل الأول ، ومنه أيضا قوله تعالى :وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى[ القصص : 7 ] الآية وقوله :وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ[ المائدة : 111 ] وقد يكون الوحي بمعنى التسخير كقوله تعالى :وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ[ النحل : 68 ] أي لأن يعمل ذلك العمل . والظاهر أن تعليم آدم عليه السّلام إنما كان بخلق العلم في قلبه إما بالذات أو بواسطة الملك . والروع بضم الراء القلب . ومعنى تعليمه تعالى إياه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها من الجواهر والأعراض وألقى في قلبه أن هذا اسمه « فرس » وهذا اسمه « بقر » وهذا اسمه « بعير » إلى تمام الأجناس ، وعلمه أحوالها ومنافعها مثل أن قال : الفرس يصلح للركوب ، والبقر لكراب الأرض ، والبعير لحمل الأثقال ، وكذا الحال في جميع أسماء المسميات وخواصها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية . قوله : ( ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ) يعني أن تعليم الأسماء وهي الألفاظ والعبارات الدالة على المسميات سواء كان تعليمها بخلق علم ضروري بها في آدم أو بإلقاء في روعه ، لا يحتاج إلى تقدم لغة اصطلاحية لأنه لو توقف التعليم والتكلم على تقدم اللغة وجريان الاصطلاح عليها لتوقف ذلك الاصطلاح على لغة متقدمة واصطلاح سابق وهلم جرّا ، فإما أن يدور أو يتسلسل وكل منهما باطل ولم يتعرض المصنف للزوم الدور لأنه أراد بالتسلسل ما هو أعم مما يتحقق في ضمن الدور . واختلفوا في اللغات هل هي توقيفية أو موضوعة بوضع الناس واصطلاحهم : فذهب الأشعري والجبائي والكعبي إلى الأول وقالوا : إن اللّه تعالى وضع بإزاء كل واحد من المعاني