بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف . وإليه أشار تعالى إجمالا بقوله :
شرح
لانعدام القوة الذائقة فيهم ، ولا الألوان الجزئية المبصرة لانعدام القوة الباصرة فيهم ، ولا الأصوات الجزئية المسموعة لانعدام القوة السامعة ، وكذا الحال في المشمومات والملموسات الجزئية . وليست فيهم الحواس الباطنة أيضا فلا يحيط علمهم بالصورة الجزئية تخيلا ولا بالمعاني الجزئية توهما ونحو ذلك بناء على أن العادة الإلهية جرت على أن لا يجعل إدراك الجزئيات باستعمال القوة العقلية إلا بواسطة القوة الجسمانية المعدة كل واحدة منها لإدراك نوع من المدركات ، كالقوة العقلية المعدة لإدراك المعقولات ، والحواس الظاهرة المعدة لإدراك المحسوسات الجزئية من الألوان والأصوات والطعوم والروائح ، والكيفيات الملموسة كالحرارة والبرودة واللين والخشونة . ومن كان فاقدا لهذه القوى كلا أو بعضا فات عنه إدراك ما يدرك بها ، وكذا من فات عنه الحواس الباطنة كالقوة المتخيلة والواهمة والمتصرفة والتحليل والتركيب ، فات عنه الفوائد المتفرعة كاستنباط الصناعات الخارجة عن العد والإحصاء واستخراج منافع الكائنات وخواصها من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستحلاف . فالمركب الذي هو آدم عليه الصلاة والسّلام وذريته لما تميز عن الملائكة العلوية بهذه الفضائل رجح عليهم بالاستحلاف من حيث إن حقيقة البشر الخارجة عن تلك الحقيقة أشرف واللّه أعلم بحقيقة الحال . قوله : ( وإليه أشار تعالى إجمالا ) أي أن غفلتهم عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة وعدم علمهم بأن التركيب يفيد ما تقصر عنه الآحاد البسيطة ، وأنهم إنما نظروا إلى القوة العقلية وكونها داعية إلى المعرفة والطاعة على حيالها ولم يتفطنوا لكونها مهذبة مصلحة لتينك القوتين أشار إجمالا بقوله :إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَأي إنما خفي عليكم وجه الحكمة في ترجيح من ثبت فيه هاتان القوتان على من فقدتا فيه بالاستخلاف لغفلتكم عن فائدة التركيب . واقتصر في جوابهم على الإجمال تنبيها على أن الواجب على المكلف أن يعتقد إجمالا بأن كل ما يصدر عنه سبحانه وتعالى إنما يصدر لحكمة بديعة ومصلحة مهمة ولا يجب عليه أن يعرف وجه تلك الحكمة والمصلحة على التفصيل . ثم إنه سبحانه وتعالى من غاية لطفه وإحسانه زادهم بيانا وفصل لهم هذا المجمل حيث بيّن لهم من فضل آدم عليه الصلاة والسلام ما لم يكن معلوما لهم بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضها عليهم ليظهر كمال فضله عليهم وقصورهم عنه في العلم . ولعل المراد بتعليم آدم خلقه إياه بحيث يستعد لإدراك أنواع المدركات وإلهام معرفتها فإن الملائكة لم يخلقوا على ذلك الاستعداد فلم يتصور أن يلهموا معرفتها بأسرها ، فلا يرد أن يقال : ما حصل بتعليم اللّه تعالى إياه ما لم يعلمه للملائكة لا يدل على فضيلته عليهم .