قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
( 30 ) والتسبيح تبعيد اللّه تعالى عن السوء والنقصان وكذلك التقديس من سبح في الأرض والماء . وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ويقال : قدّس إذا طهّر لأنّ مطهّر الشيء مبعّد له عن الأقذار . وبحمدك في موضع الحال أي ملتبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفّقتنا لتسبيحك تداركوا به ما أوهم
شرح
قوله : ( والتسبيح تبعيد اللّه تعالى عن السوء والنقصان ) بأن يعتقد أنه سبحانه وتعالى منزه في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل سوء ونقصان ويتكلم بما يدل عليه . روي عن الحسن البصري رضي اللّه عنه أنه قال : معنى قولهم :وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَنقول : سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم . وروي عن أبي ذر رضي اللّه عنه أنه دخل بالغداة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبالعشي فقال : يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي أي الكلام أحب إلى اللّه تعالى ؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : « ما اصطفاه اللّه لملائكته سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم » .
وروي أن عمر رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه ما صلاة الملائكة فلم يرد عليه الصلاة والسّلام عليه شيئا فأتاه جبريل عليه الصلاة والسّلام فقال له : يا نبي اللّه سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال : « نعم » قال : اقرئه مني السّلام وقل له وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحي الذي لا يموت . فهذا هو تسبيح الملائكة عليهم السّلام . والتقديس التطهير ، والقدس الطهارة ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة ، كذا في التفسير الكبير .
والمصنف رحمه اللّه جعل التسبيح والتقديس مترادفين بمعنى نبعدك عما لا يليق بعظمتك وجلالك ، ويكون الجمع بينهما في الآية للتأكيد والمبالغة في تنزيهه سبحانه وتعالى ، وجعل التسبيح تفعيلا من سبح المخفف والتقديس من قدس المخفف أيضا بقوله : « ذهب » و « أبعد » أي صار بعيدا فإذا نقلا إلى باب التفعيل صارا بمعنى « اذهب » و « ابعد » ثم علّل استعمال التقديس في معنى التطهير المبني على كونه بمعنى التبعيد بقوله : « لأن مطهر الشيء مبعد له عن الأقذار » . قوله : ( وبحمدك في موضع الحال ) أي من المنوي في « نسبح » فهما حالان متداخلان أي حال في حال ، والباء فيه للمصاحبة فتتعلق بمحذوف كما في نحو : جاءني زيد بثياب السفر أي ملتبسا بها . وكلمة « ما » في قوله : « على ما ألهمتنا » مصدرية أي نحمدك على إلهامك إيانا معرفتك وعلى توفيقك إيانا لتسبيحك . وذكر المحمود عليه إشارة إلى أنه محذوف في نظم الآية لدلالة القرينة عليه ، وبيّن فائدة التقييد بهذه الحال بأنها لتدارك ما أوهمه إسناد التسبيح إلى أنفسهم من العجب والافتخار حيث دفعوا به استقلالهم في التمكن من العبادة وقالوا : لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك .