تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليما عن معارضة تلك المفاسد . وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذّبة مطواعة للعقل متمرّنة على الخير كالعفّة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف ، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة
شرح
إلى القوة العقلية على حيالها أي غير مجامعة لهما ومؤدية إلى تهذيبهما عن طرفيهما المذمومين ، أعني طرفي الإفراط والتفريط وتعديلهما بجعلهما فضيلتين متوسطتين بين ذينك الطرفين المذمومين بحيث يترتب عليهما أخلاق حميدة وخصائل مرضية لأن الاجتناب عن الانهماك في الشهوات هو نتيجة العفة ومجاهدة النفس والهوى بالجهاد الأكبر الموصل إلى السعادة الأبدية هو نتيجة الشجاعة . فإن القوة الشهوية مثلا إذا انفردت عن القوة العقلية فربما تبلغ حد الإفراط وتسمى حينئذ شرها ويتفرع عليها الإفساد في الأرض بل إفساد صاحبها أيضا ، فإن اتباع شهوة البطن والفرج والإفراط فيه قد يؤدي إلى فساد المزاج واختلال العرض بين الأنام وربما تبلغ حد التفريط وتسمى حينئذ خمودا وانطفاء ، ويتفرع عليها فساد بنية صاحبها لانقطاع اعتدال البدن بمائيته وانقطاع نسله . وأما إذا انضمت إلى القوة العقلية وأطاعتها فحينئذ تكون معتدلة متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط وتسمى عفة وتنكسر سورتها وتنقاد لما دعاها إليه العقل من التقييد بالأحكام الشرعية والانزجار عما حرمه ، فيتفرع عليها آثار جميلة من مجاهدة الهوى وترك الانهماك في الشهوات والاستمرار على الخير والصلاح . وكذا القوة الغضبية إذا انفردت عن القوة العقلية وبلغت حد الإفراط وتسمى حينئذ تهورا يتفرع عليها قهر عباد اللّه وسفك دمائهم وإذا انحطت إلى درجة التفريط تسمى جبنا فيضعف صاحبها عن إظهار الحق ودفع من يقصده بسوء ومضرة ، وإذا انضمت إلى القوة العقلية واعتادت واستمرت على الخير تسمى شجاعة ، ويتفرع عليها آثار جميلة كالإنصاف في المعاملات وترك الظلم والبغي والمطاوعة لما دعا إليه العقل . قوله : ( مطواعة ) أي مطيعة غاية الإطاعة وهي مفعالة لمبالغة الفاعل كالمطعام أي كثير الإطعام والقرى . قوله : ( متمرنة ) أي معتادة من قولهم : مرن على الشيء أي اعتاده واستمر عليه . قوله : ( ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد ) أي البسائط فإن الجسم إذا تركب من الأجزاء المختلفة الطباع التي هي العناصر المكيفة بالكيفيات المتضادة وحصل بينها الفعل والانفعال وانكسرت سورة كل واحدة منها حصل منها مزاج متوسط وقوى متباينة ويتفرع عليها آثار مختلفة تقصر عنها البسائط كالإحاطة بالجزئيات . فإن الظاهر أن الملائكة عليهم السّلام لبساطتهم ليس فيهم قوى جسمانية وحواس ظاهرة معدة كل واحدة منها لإدراك نوع من أنواع المدركات كالألوان والأصوات والطعوم والروايح ، والكيفيات الملموسة كاللين والخشونة والحرارة والبرودة . فلا يحيط علمهم بالطعوم الجزئية المذوقة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 501 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين