مما ذكر في عقولهم أنّ العصمة من خواصهم ، أو قياس لأحد الثقلين على الآخر . والسفك والسبك والسفح والشنّ أنواع من الصبّ فالسفك يقال في الدم والدمع ، والسبك في الجواهر المذابة ، والسفح في الصبّ من أعلى ، والشنّ في الصبّ عن فم القربة ونحوها وكذلك السنّ . وقرىء يسفك على البناء للمفعول فيكون الراجع إلى من سواء جعل موصولا أو موصوفا محذوفا أي يسفك الدماء فيهم .
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
حال مقرّرة لجهة الإشكال كقولك :
شرح
فعرفوا ذلك ، ولا يلزم أن يطالعوا جميع ما في اللوح حتى يطلعوا على ما في الاستخلاف من الحكمة فيمتنعوا عن القول المذكور . ويحتمل أن يعرفوا ذلك باستنباطهم مما ركز في عقولهم بأن يخلق اللّه تعالى فيهم علما ضروريا بأن العصمة من خواصهم أي بأن الجنس الذي عصم كل واحد من أفراده من جميع الذنوب إنما هو جنس الملائكة ، وأن من سواهم من أجناس المخلوقين ليسوا كذلك بل يكون فيهم المعصوم وغيره لأن الملائكة إما أرواح مجردة أو أجسام لطيفة نورانية غير مركبة من أجزاء مختلفة الطبايع فليس لهم من القوى إلا قوة عقلية مؤدية إلى المعرفة والطاعة . وأما المخلوق الذي فيه تعلق الروح بالبدن المركب من الأجزاء المختلفة الطباع فإنه لا ينتظم أمره إلا بقوتي الشهوة والغضب فإنهما تؤديان إلى صدور الأفعال البهيمية والأخلاق السبعية ومن هذا شأنه إذا خلّي وطبعه لا يكون معصوما إلا أن يوفقه اللّه تعالى للرياضة بتهذيب الأخلاق . ويحتمل أنهم عرفوا ذلك بقياسهم حال المجعول خليفة على حال الجن الذين كانوا في الأرض قبل آدم فأفسدوا فيها أنواعا من الفساد . قوله : ( والسفك والسبك ) يعني أن هذه الألفاظ متقاربة المعنى لاشتمالها على معنى الصب ، والصب أعم . وهذه الألفاظ متقاربة حيث تطلق على كل واحد مما يطلق عليه سائر الألفاظ بخلاف سائر الألفاظ فإنها إنما تطلق على صب مخصوص بقيد كالسفح مثلا فإنه صب مخصوص بكونه من الأعلى . يقال لأسفل الجبل : سفح الجبل لكونه كالمصبوب من أعلاه ، ويقال للزني : سفاح لكونه صبا من وراء الوجه المشروع . وفي الصحاح : سفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء . كأنه جعل السفح فيه بمعنى المسفوح فيه . قوله : ( سواء جعل موصولا أو موصوفا ) فإن كلمة « من » يحتمل أن تكون موصولة ويحتمل أن تكون موصوفة .
فعلى الأول لا محل للجملة التي بعدها ولا بد من ضمير يعود إليها ، فإن قرىء الفعل على بناء الفاعل فالعائد مستتر فيه وإلا فمحذوف ، وهو « فيهم » وجمع الضمير الراجع إلى كلمة « من » لكونها مجموع المعنى . وإفراد المنوي في « يفسد » مع رجوعه إليها أيضا لكونها مفرد اللفظ وقوله : « محذوفا » خبر لقوله : « فيكون » .
قوله : ( حال مقررة لجهة الاشكال ) فإن ما يتوقع من الإنس من الإفساد وسفك الدماء