يستحي أن يمثّل بها لحقارتها . والحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذمّ ، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجراءة على القبايح وعدم المبالاة بها ، والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقا واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردّها عن أفعالها فقيل : حيي الرجل كما يقال : نسي وحشي إذا اعتلت نساه وحشاه وإذا وصف به البارىء تعالى كما جاء في الحديث : « إن اللّه يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه إن اللّه حيّ كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا » . فالمراد به الترك اللازم للانقباض كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف
شرح
مع كونها تبعية فهي تمثيلية أيضا بناء على كون وجه الشبه منتزعا من عدة أمور وهي الترك المتعلق بضرب المثل بالمحقرات في أنفسها الموافقة للمثل له بحيث يصلح كاشفا له .
وظهر بهذا أن اللفظ المستعار في الاستعارة التمثيلية قد يكون لفظا مفردا يدل على أمور متعددة يقتصر عليه لكونه عمدة في الدلالة عليها كلفظ الاستعارة ههنا وكلفظ« عَلى » *في قوله تعالى :أُولئِكَ عَلى هُدىً *فقد اجتمع في الآية استعارة تمثيلية وتبعية ومجاز مرسل على ما أشار إليه المصنف بقوله : « بعيد هذا » فالمراد به الترك اللازم للانقباض . قوله :
( والحياء انقباض النفس الخ ) الحق أن الكيفيات النفسانية لا تحتاج إلى التعريف لكونها من الوجدانيات المعلومة لكل أحد بالضرورة وإن عرفت كان التعريف لفظيا . والظاهر أنه عرفه ههنا ليبني عليه كيفية جواز إطلاقه على اللّه تعالى بحمله على المعنى المجازي لما أن حقيقته من لوازم النقص وهو تعالى منزه عن جميع وجوه النقص .
قوله : ( وهو الوسط الخ ) شأن كل صفة حميدة وخلق مرضي أن تكون متوسطة بين الرذيلتين اللتين أحديهما الإفراط والأخرى التفريط وخير الأمور أوسطها . فإن الوقاحة وقلة الحياء تفريط ، والخجل وهو التحير والدهش من غلبة الاستحياء بحيث ينحصر عن الفعل مطلقا أي سواء كان الفعل قبيحا أم لا وسواء كان الانحصار لأجل مخافة الذم أم لا هو الإفراط ، والوسط بينهما هو الحياء المعرف . وكذا الشجاعة فإنها متوسطة بين الجبن والتهور ، والسخاوة متوسطة بين الإسراف والإمساك . قوله : ( فقيل : حيي الرجل ) إذا اعتلت حياته وضعفت قوته الحيوانية بحيث اختلت أفعالها كما يقال : نسي إذا اعتلت نساه ، وحشي إذا اعتلت حشاه أي جوفه . والنسا بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك فيسيطر فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب ومنه المرض المعروف بعرق النساء ، والعرقوب العصب الغليظ الموتور في عقب الإنسان . والحشا ما اشتملت عليه الضلوع والجمع إحشاء . وقوله : « إن يردهما صفرا » لم يقل صفرين لأن صفرا يستعمل على لفظه في التثنية والجمع والتذكير والتأنيث . قوله : ( فالمراد به الترك ) جواب قوله : « إذا وصف به البارىء » .