المتناهون فيها أقصى الغاية
وَ
اعلموا أيها العقلاء العرفاء الموحدون ان
لِلَّهِ
المتوحد المتفرد لذاته
الْأَسْماءُ الْحُسْنى
التي تترتب عليها الصفات العليا المترتبة عليها الآثار الحادثة في عالم الكون والفساد والشهادة والغيبة والنشأة الأولى والأخرى
فَادْعُوهُ
سبحانه أيها الموحدون
بِها
وأسندوا الحوادث الكائنة إليها أولا وبالذات
وَذَرُوا
اى دعوا واتركوا أقوال الجاحدين الملحدين
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
يميلون وينحرفون
فِي أَسْمائِهِ
بنسبة الحوادث الكائنة إلى الأسباب والوسائل العادية أولا وبالذات واعتقدوها عللا وأسبابا حقيقية واهجروا مذاهبهم واعتزلوا عنهم وعن مجالستهم واعلموا ان كل واحد منهم أيها المكلفون
سَيُجْزَوْنَ
بمقتضى
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
في نشأة الدنيا ان خيرا فخير وان شرا فشر ثم قال سبحانه كلاما كليا جمليا شاملا على جميع الملل والأديان
وَمِمَّنْ خَلَقْنا
اى اظهرناهم على صورتنا
أُمَّةٌ
مستخلفة عنا هم
يَهْدُونَ
الناس إلينا ملتبسين
بِالْحَقِّ
المطابق للواقع متمسكين به
وَبِهِ
اى بالحق لا بغيره إذ لا غير
يَعْدِلُونَ
يقسطون وينصفون في الوقائع والاحكام
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
الدالة على توحيدنا المنزلة على رسلنا
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
اى سنستضلهم ونستذلهم قليلا قليلا إلى أن نهلكهم بالمرة وندخلهم في جهنم البعد وسعير الإمكان
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
ولا يفهمون كيف وقعوا فيها ومن اى طريق دخلوا
وَ
بالجملة
أُمْلِي لَهُمْ
اى أمهلهم في بطرهم وغفلتهم إلى حيث ازدادوا على نفوسهم العتو والعناد الموجب لشدة العذاب مكرا عليهم وكيدا لهم
إِنَّ كَيْدِي
ومكري سيما مع العصاة الغواة الضالين عن منهج العدالة والرشد
مَتِينٌ
محكم بحيث لم يحسوا به وباماراته ومقدماته أصلا إلى أن أخذوا بأسوإ العذاب وأشد النكال ثم أشار سبحانه إلى توبيخ المسرفين المسفهين لرسول اللّه عنادا ومكابرة
فقال
أَ
ما يستحيون من اللّه أولئك المسرفون المفرطون من نسبة الجنون إلى من فاق على عموم العقلاء بالرشد والهداية
وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
ولم يتدبروا انه
ما بِصاحِبِهِمْ
يعنى نبيهم ورسولهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم
مِنْ جِنَّةٍ
خفة عقل موجب للخبط والجنون غاية ما في الباب ان هؤلاء القاصرين عن ادراك كلامه ينسبون ما لم يفهموا من كلامه إلى أنه قد صدر عنه هفوة لا عن قصد وشعور ويسمونه مجنونا لذلك
إِنْ هُوَ
اى بل ما هو صلّى اللّه عليه وسلّم عند التحقيق
إِلَّا نَذِيرٌ
ينذرهم باذن اللّه ووحيه ويخوفهم اللّه به
مُبِينٌ
عظيم الشان ظاهر البيان في امر الإنذار والإرشاد روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صعد الصفا يوما فدعاهم فخذا فخذا يحذرهم عن بأس اللّه وبطشه فقال قائلهم ان صاحبكم لمجنون فنزلت . ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع لهؤلاء المسرفين الذين ينسبون ما هو خارج عن مدركات عقولهم إلى الجنون ويدعون استقلال العقل في العلوم المتعلقة بالأشياء كلها
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا
ولم يتدبروا كيف تقصر وتدهش عقولهم
فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ
وكيفية نظمها ونضدها وترتيبها وتطبيقها وما فيها من كواكبها وبروجها وحركاتها وادوارها وانقلاباتها شتاء وصيفا ربيعا وخريفا
وَالْأَرْضِ
وما عليها من تلالها ووهادها وأنهارها وبحارها ورياضها وازهارها وغرائبها وبدائعها المكنونة المتكونة فيها بل
وَ
في جميع
ما خَلَقَ اللَّهُ
وأظهره من كتم العدم إظهارا إبداعيا
مِنْ شَيْءٍ
اى مما يطلق عليه اسم شيء تدهش وتتحير في ظهوره عقول فحول العقلاء بحيث لم يطلعوا ولم يفهموا كيفية ظهور ذرة حقيرة من ذرائر العالم فكيف لميتها لذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم في دعائه اللهم أرنا الأشياء كما هي وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم