نَبِيًّا مِنَ
زمرة الأنبياء
الصَّالِحِينَ
لتبليغ احكام اللّه إلى عباده وهدايتهم إلى جنابه
ثم لما سمع زكريا من الملائكة ما سمع من البشارة
قالَ
متحسرا مستبعدا حصول الولد منه لكونه على خلاف جرى العادة مناجيا مع ربه على سبيل التأسف
رَبِّ
يا من رباني بنعمك إلى كبر سنى
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
اى من اين يحصل لي ولد منى في كبر سنى
وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
غايته
وَ
الحال ان
امْرَأَتِي عاقِرٌ
عقيم ذات عقر من الأولاد في أصل الخلقة ومع ذلك كبيرة اليوم لا ترجى منها الولادة وبعد ما قد بث الشكوى نحو الحق متحسرا متأسفا
قالَ
له جبريل بوحي اللّه إياه لا تستبعد من كمال قدرة اللّه أمثال هذا فإنه سبحانه
كَذلِكَ
يخلق عموم ما يشاء سبحانه بلا سبب يوافق العادة إذ
اللَّهُ
المقتدر المختار
يَفْعَلُ
ويوجد
ما يَشاءُ
من الموجودات ابداعا واختراعا بلا سبق مادة ومدة وأسباب عادية فلك ان ترفع غشاوة الأسباب الحاجبة عن البين وتنسب ما جرى في ملكه اليه سبحانه بلا رؤية الوسائط والأسباب إذ لا حجاب عند أولى الألباب بل كل ما صدر عنه لا يتوقف على شيء من سوابقه ولا يتوقف عليه شيء من لواحقه عند أولى البصائر الناظرين بنور اللّه في تجددات تجليات الوجود الإلهي
ثم لما تفطن زكريا عليه السّلام من هذا الكلام ما تفطن
قالَ
مستسرعا مستنشطا
رَبِّ
يا من رباني بأنواع اللطف والكرم
اجْعَلْ لِي
بفضلك
آيَةً
امارة وعلامة اعرف بها الحمل والحبل ليفرح بها قلبي وأخلص عن التردد والانتظار
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
اى أنت لا تطيق التكلم معهم لعدم مساعدة آلاتك عليه مدة
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
ولا تعلمهم حوائجك
إِلَّا رَمْزاً
إشارة بيد ورأس وغير ذلك
وَ
بعد ما حبست نفسك عن التكلم والتنطق
اذْكُرْ رَبَّكَ
في نفسك ذكرا
كَثِيراً وَسَبِّحْ
اى نزه ربك عن مطلق النقائص تسبيحا مقرونا
بِالْعَشِيِّ
اى جميع أجزاء الليل
وَالْإِبْكارِ
اى جميع أجزاء النهار لتستوعب أنت جميع أوقاتك وآنائك بتسبيحه . من هذا تفطن العارف ان الداعي المناجى إلى اللّه المستجيب من لدنه سبحانه لا بد له ان يفرغ قلبه عن غير اللّه ويستوعب أوقاته بذكره بل يكل لسانه عن ذكر الغير مطلقا حتى يفوز بمطلوبه ويجيب له بفضله وطوله
وَ
اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائح آل عمران واصطفاء اللّه إياهم سيما وقت
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
بأمر اللّه ووحيه لمريم رضى اللّه عنها ملهمين لها منادين على سرها أبشري
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ
الذي أظهرك من كتم العدم ورباك بأنواع اللطف والكرم قد
اصْطَفاكِ
واختارك لخدمة بيته مع أنه لم يعهد اختيار النساء للخدمة
وَطَهَّرَكِ
بفضله عن مطلق الخبائث والأدناس العارضة للنسوان
وَاصْطَفاكِ
اى قد خصصك وفضلك بهاتين الخصلتين الحميدتين
عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
وانما خصها سبحانه بما خصها لتكون آية ومقدمة لعموم ما يترتب على وجودها ويظهر منها من البدائع التي قد أودعها اللّه في نفسها من حملها بلا مباشرة أحد بل بمجرد كلمة ملقاة من عنده وإرهاصات ومعجزات صدرت منها ومن ابنها بحيث لم يظهر مثلها من الرسل والأنبياء ثم لما أخبرت الملائكة إياها باصطفائه سبحانه نادتها الملائكة ثانيا بأمر اللّه أيضا تعليما لها التوجه والرجوع إلى اللّه على وجه الخضوع والتذلل والإخبات والخشوع
يا مَرْيَمُ
المختارة المقبولة عند اللّه
اقْنُتِي
اى توجهي وتضرعي
لِرَبِّكِ
الذي رباك بلطفه وقبلك نذيرة من أمك واصطفاك على نساء العالمين بأنواع الفضائل شكرا لما تفضل عليك
وَاسْجُدِي
تذللي واخضعى ملقية جباهك على تراب المذلة والهوان