تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
والمقصود من العبد الاستقامة وهي السّداد . فإن لم يقدر عليها فالمقاربة . وعند مسلم مرفوعا : « سدّوا / وقاربوا ، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمّدنى اللّه برحمة منه وفضل » . فجمع في هذا الحديث مقامات الدّين كلها . فأمر بالاستقامة وهي السّداد ، والإصابة في النيّات والأقوال . وأخبر في حديث ثوبان أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة ، وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم ، كالّذى يرمى إلى الغرض وإن لم يصبه يقاربه . ومع هذا فأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تنجى يوم القيامة ، فلا يركن أحد إلى عمله ، ولا يرى أن نجاته به ، بل إنّما نجاته برحمة اللّه وغفرانه وفضله . فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين ، وهو القيام بين يدي اللّه تعالى على حقيقة الصّدق ، والوفاء بالعهد . والاستقامة تتعلّق بالأقوال والأفعال والأحوال والنّيات . فالاستقامة فيها ، وقوعها للّه وباللّه وعلى أمر اللّه . قال بعض العارفين : كن صاحب الاستقامة ، لا طالب الكرامة ، فإن نفسك متحرّكة في طلب الكرامة ، وربّك يطالبك بالاستقامة . فالاستقامة للحال بمنزلة الرّوح من البدن ، فكما أنّ البدن إذا خلا عن الرّوح فهو ميّت ، فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد . وكما أن حياة الأحوال بها ، فزيادة أعمال الزّاهدين أيضا ونورها وزكاؤها بها ، فلا زكاء للعمل ولا صحّة بدونها . واللّه أعلم .