تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
بكلامه . الثّانى : أن يصغى بسمعه فيميله كلّه نحو المخاطب له ، فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه . الثّالث : أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلّم له ، وهو الشهيد أي الحاضر غير الغائب . فإن غاب قلبه ، وسافر في موضع آخر لم ينتفع بالخطاب . وهذا كما أنّ المبصر لا يدرك حقيقة إلّا إذا كانت له قوّة باصرة وحدّق بها نحو المرئىّ ، ولم يكن قلبه مشغولا بغير ذلك ، فإن فقد القوّة المبصرة ، أو لم يحدّق نحو المرئىّ ، أو حدّق نحوه وقلبه كلّه في موضع آخر ، فإنّه لا يدركه ؛ كما أنّ كثيرا ما مرّ بك إنسان أو غيره ، وقلبك مشغول بغيره ، ولا تشعر بمروره . فهذا الشّأن يستدعى صحّة القلب ، وحضوره ، وكمال الإصغاء . والمشاهدة من منازل السّالكين وأهل الاستقامة ، منزلة عالية فوق منزلة المكاشفة . على أنّه ليس للعبد في الحقيقة مشاهدة ، ولا مكاشفة ، لا للذّات ولا للصّفات ، أعنى مشاهدة عيان وكشف ، وإنّما هو مزيد إيمان . فيجب التّنبيه والتنبّه هاهنا على أمر ، وهو أنّ المشاهد نتائج العقائد ، فمن كان معتقده ثابتا في أمر من الأمور فإنّه إذا صفت نفسه ، وارتاضت ، وفارقت الشهوات والرّذائل ، وصارت روحانيّة ، تجلّى لها صورة معتقدها كما اعتقدته . وربّما قوى ذلك التّجلّى ، حتى يصير لها كالعيان وليس به ، فيقع الغلط من وجهين : أحدهما أنّ ذلك ثابت في الخارج وإنّما هو في الذهن ، لكن لمّا صفا وارتاض ، وانجلت عنه ظلمات الطبع ، وغاب بمشهوده عن