تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
[ وقال مجاهد : وكذب بالحسنى أي بالجنة ، وعنه : بلا إله إلا اللّه « 1 » . فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر ، وعن ابن مسعود : أي للنار ] « 2 » . قوله :
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
يدل على أن التوفيق والخذلان من اللّه تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب ، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك ، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع ، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين . أجاب القفال « 3 » : أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر ، كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
[ الشورى : 40 ] فسمى اللّه الألفاظ الداعية إلى الطّاعة تيسيرا لليسرى ، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيرا للعسرى ، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل ، كقوله تعالى :
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً
[ إبراهيم : 36 ] ، أو يكون على سبيل الحكم ، والإخبار عنه . وأجيب بأن هذا كله عدول عن الظاهر ، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم : « ما من نفس منفوسة » . قال القفال « 4 » : معنى الحديث : أن النّاس خلقوا للعبادة ، قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، وهذا ضعيف ؛ لأن هذا جواب عن قولهم : « ألا نتّكل » ؟ فقال : اعملوا فكلّ ميسر ، لما وافق معلوم اللّه تعالى .

فصل في اليسرى والعسرى

التأنيث في « اليسرى » و « العسرى » إن أريد جماعة الأعمال فظاهر ، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة ، أو الفعلة ، أو الطريقة ، فمن فسر اليسرى بالجنة ، فتيسيرها بإكرام ، وسهولة ، ومن فسرها بالخير ، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه ، بخلاف المنافق والمرائي ، ودخلت السين في « فسنيسّره » بمعنى الترجي ، وهذا يفيد القطع من اللّه تعالى ، أو لأن الأعمال بالخواتيم ، فقد يعصي المطيع ، وبالعكس ، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة ، وهي متأخرة . قوله :
وَما يُغْنِي ،
يجوز أن تكون « ما » نافية ، أي : لا يغني عنه ماله شيئا ، وأن تكون استفهاما إنكاريا ، أي : أيّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك ، ووقع في جهنم وتردى ، ويروى إما من الهلاك يقال : ردي الرجل يردى ، إذا هلك ؛ قال : [ الطويل ]
5226 - صرفت الهوى عنهنّ من خشية الرّدى « 5 »
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 615 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 605 ) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 182 . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 182 . ( 5 ) ينظر القرطبي 19 / 58 .