وقال أبو صالح وزيد بن أسلم : تردى : أي سقط في جهنم ، ومنه « المتردية » ، ويقال : ردي من في البئر وتردى : إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل ، ويقال : ما أدري أين ردى أي أين ذهب .
ويحتمل أن يكون من تردى ، وهو كناية عن الموت ؛ كقوله : [ الكامل ]
5227 - وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي * وردّا على عينيّ فضل ردائيا « 1 »
وقول الآخر : [ الطويل ]
5228 - نصيبك ممّا تجمع الدّهر كلّه * رداءان تلوى فيهما وحنوط « 2 »
قوله تعالى :
ش [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 12 إلى 21 ]
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 )
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى ( 21 )
قوله :
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ،
أن نبين طريق الهدى ، من طريق الضلال ، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاج : أي : على اللّه بيان حلاله ، وحرامه ، وطاعته ومعصيته ، وهو قول قتادة .
وقال الفراء : من سلك الهدى ، فعلى اللّه سبيله ، كقوله تعالى :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
[ النحل : 9 ] ، وقيل : معناه إنّ علينا للهدى والإضلال ، فترك الإضلال كقوله تعالى :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
[ آل عمران : 26 ] ، وقوله تعالى
تَقِيكُمُ الْحَرَّ
وهي تقي الحرّ وهي تقي البرد ، قاله الفراء أيضا . وهو يروى عن ابن عباس رضي اللّه عنه .
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى ، وبين ما للمحسنين من اليسرى ، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان ، والدلالة ، والترغيب ، والترهيب ، أي : إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد ، ونبين المتعبد به .
قالت المعتزلة : إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم .
وأيضا فكلمة « على » للوجوب ، وأيضا : فلو لم يستقل العبد بالإيجاد ، لم يكن في نصب الأدلة فائدة ، وجوابهم قد تقدم .
وزاد الواحديّ : أن الفراء ، قال : إن معنى : إن علينا للهدى والإضلال ، فحذف المعطوف كقوله تعالى :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] ، وهو معنى قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ، يريد : أرشد أوليائي للعمل بطاعتي ، وأحول بين أعدائي أن
هامش
( 1 ) البيت لمالك بن الريب التميمي ينظر الجمهرة ( 610 ) ، والبحر 8 / 478 ، والدر المصون 6 / 535 .
( 2 ) ينظر البحر 8 / 478 والدر المصون 6 / 535 .