تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
قيل : الأشقى ، والأتقى ، بمعنى الشقي والتقي ، ولا تفضيل فيهما ، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء ، وتجنبها ليس مختصا بالأكثر تقوى . وقيل : بل هما على بابهما ، وإليه ذهب الزمخشريّ ، فإنه قال « 1 » : فإن قلت : كيف قال :
لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ،
وقد علم أن كلّ شقي يصلاها ، وكل تقي يجنبها ، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء ، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء ، وإن زعمت أنه نكّر النار ، فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى ، فما تصنع بقوله
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى
فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة ، لا الأتقى منهم خاصة . قلت : الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين ، وعظيم من المؤمنين ، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين ؛ فقيل : الأشقى ، وجعل : مختصا بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له . وقيل : الأتقى ، وجعل مختصا بالنجاة ، كأن الجنة لم تخلق إلا له ، وقيل : هما أبو جهل وأمية بن خلف وأبو بكر - رضي اللّه عنه . قال : جوابه المراد بهما شخصان معينان . انتهى .

فصل

قال المفسرون : المراد بالأشقى ، والشقي : الذي « كذّب » نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم « وتولّى » أعرض عن الإيمان . وقال الفرّاء : معناه إلّا من كان شقيا في علم اللّه تعالى . قال بعضهم : « الأشقى » بمعنى الشقي ؛ كقوله : [ الطويل ]
5229 - . . . * . . . لست فيها بأوحد « 2 »
« بأوحد » ، أي : بواحد ، ووحيد ، ويوضع « أفعل » موضع « فعيل » نحو قولهم : « اللّه أكبر » بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين ، قالت المرجئة : الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر . والجواب : المعارضة بآيات الوعيد . وأيضا : فهذا إغراء بالمعاصي ، وأيضا ، فقوله تعالى بعده :
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى
يدل على ترك هذه الظاهرة ؛ لأن الفاسق ليس « بأتقى » فالمراد بقوله تعالى :
ناراً تَلَظَّى
أنها مخصوصة من بين النيران ؛ لأن النار دركات ، ولا يلزم من هذا أنّ الفاسق لا يدخل النّار أصلا ، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 4 / 763 ، 764 . ( 2 ) عجز بيت لطرفة بن العبد وتمامه :تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحدينظر القرطبي 20 / 59 .