تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
قال القرطبي « 1 » : وقد روى الدارقطني عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي عليّ حراما ، فقال : كذبت ، ليست عليك بحرام ، ثم تلا :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
؟ عليك أغلظ الكفّارات عتق رقبة « 2 » ، وقد قال جماعة من المفسرين : إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة ، وعاد إلى مارية صلى اللّه عليه وسلم قاله زيد بن أسلم وغيره » . هذا كله في الزوجة ، وأما الأمة [ فليس ] « 3 » فيها شيء من ذلك إلّا أن ينوي العتق عند مالك ، وذهب عامة العلماء إلى أن عليهن كفّارة يمين . قال ابن العربي « 4 » : « والصحيح أنها طلقة واحدة ؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله ، وهو الواحدة إلا أن يعدده ، فكذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر ، مثل أن يقول : أنت عليّ حرام إلا بعد زوج ، فهذا نص في المراد » .

فصل في هذا الاستفهام

قال ابن الخطيب « 5 » : قال صاحب « النظم » : قوله :
« لِمَ تُحَرِّمُ »
استفهام بمعنى الإنكار ، وذلك من اللّه نهي ، وتحريم الحلال مكروه ؛ لأن الحلال لا يحرم إلا بتحريم اللّه تعالى . فإن قيل : قوله :
لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب ، وخطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم ؟ . فالجواب : أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب ، بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي . فإن قيل : تحريم ما أحلّ اللّه غير ممكن ، فكيف قال : لم تحرم ما أحل اللّه ؟ فالجواب : أن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع بالأزواج ؛ لاعتقاد كونه حراما بعد ما أحله اللّه تعالى ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالا ؛ فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله اللّه - تعالى - فقد كفر ، فكيف يضاف إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل هذا ؟ . قوله :
تَبْتَغِي
.
هامش
( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 18 / 120 . ( 2 ) أخرجه النسائي في « الكبرى » ( 4956 ) والدارقطني ( 4 / 43 ) من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . ( 3 ) في أ : فلا يلزم . ( 4 ) ينظر : أحكام القرآن 4 / 1850 . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 38 .