فصل [ في معنى قوله : « كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ »
]
قد تقدم الكلام في الطبع « 1 » ، والرّين « 2 » ، والقسوة « 3 » ، قال أهل السنة : قوله :
« كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ »
يدل على أن الكل من عند اللّه . وقالت المعتزلة : الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل ، لأنه كان في نفسه متكبرا جبارا . قال ابن الخطيب : وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه ، وعليه من وجه آخر ، والقول الثاني يخرج عليه رجحان مذهبنا ، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة ، والانقياد لأمر اللّه ، فيكون القول بالقضاء والقدر حقا « 4 » ، فيكون تعليل القلب بكونه متكبرا متجبرا باقيا ، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخرة « 5 » .
فصل [ في الفرق بين المتكبر والجبار ]
قال مقاتل : الفرق بين المتكبر ، والجبار ، أن المتكبر عن قبول التوحيد ، والجبار في غير حق . قال ابن الخطيب : كمال السعادة في أمرين : التعظيم لأمر اللّه ، والشفقة على خلق اللّه فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر اللّه ، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق اللّه « 6 » .
قوله تعالى :
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 36 إلى 37 ]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ ( 37 )
قوله تعالى :
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً . . .
الآية . قال المفسرون : إن فرعون قال لوزيره هامان : ابن لي صرحا ، والصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر ، وإن بعد . وأصله من التّصريح ، وهو الإظهار
« لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ »
طرقها « 7 » .
فإن قيل : ما فائدة هذا التكرير ؟ ولو قيل : لعلّي أبلغ أسباب السماوات كان كافيا ؟
فأجاب الزمخشري عنه فقال : « إنه إذا أبهم الشيء ، ثم أوضح كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم السماوات أبهمها ثم أوضحها » « 8 » .
هامش
( 1 ) من قوله :بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ[ النساء : 155 ] .
( 2 ) من نفس السورة فقد قيل : إن الرين هو الطبع وقال مجاهد : الرين أسهل من الطبع والطبع أيسر من الإقفال والإقفال أشد من ذلك كله .
( 3 ) والقسوة الغلظة قال :« ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ».
( 4 ) في الرازي حيّا .
( 5 ) الرازي 27 / 73 .
( 6 ) السابق .
( 7 ) نقله البغوي في تفسيره 6 / 95 .
( 8 ) كشافه 3 / 427 .