من حيث لا يعلم متى تمكن هذا كان في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها ، وهذا كما إذا بلغه خبر فإنه لا يقطع بالمخبر ، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ إلى حد التواتر حصل له اليقين وتمكن الاعتقاد ، ولا يدري متى كان ذلك وفي أي لمحة حصل هذا اليقين .
فقوله :
« وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
تأكيد للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تغفر ولا توجب ردّة ؛ لأن الأمر غير معلوم بل احسموا الباب « 1 » .
قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ »
أي إجلالا له
« أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى »
اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فتخرج خالصة .
قوله :
« أُولئِكَ الَّذِينَ »
يجوز أن يكون « أولئك » مبتدأ و « الذين » خبره والجملة خبر « إنّ » ويكون
« لَهُمْ مَغْفِرَةٌ »
جملة أخرى إما مستأنفة وهو الظاهر وإما حالية . ويجوز أن يكون
« الَّذِينَ امْتَحَنَ ( اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) »
صفة « لأولئك » أو بدلا منه أو بيانا و
« لَهُمْ مَغْفِرَةٌ »
جملة خبرية « 2 » .
ويجوز أن يكون « لهم » هو الخبر وحده و « مغفرة » فاعل به واللام في قوله :
« للتّقوى » يحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره عرف اللّه قلوبهم صالحة أي كائنة للتقوى كقولك : أنت لكذا أي صالح أي كائن « 3 » ويحتمل أن يكون للتعليل « 4 » . وهو يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون تعليلا يجري مجرى بيان السبب المتقدم ، كقولك : جئتك لإكرامك ابني « 5 » أمس أي صار ذلك السبب السابق سبب المجيء .
والثاني : أن يكون تعليلا يجري مجرى بيان علّيّة « 6 » المقصود المتوقع الذي يكون لاحقا لا سابقا ، كقولك : جئتك لأداء الواجب ، أي ليصير مجيئي سببا لأداء الواجب .
فعلى الأول فمعناه أن اللّه علم في قلوبهم تقواه « 7 » فامتحن قلوبهم للتقوى التي كانت فيها ، ولولا أن قلوبهم كانت مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم . وعلى الثاني فمعناه أن اللّه تعالى امتحن قلوبهم بمعرفته ومعرفة رسوله
هامش
( 1 ) الرازي السّابق .
( 2 ) أخذ المؤلف - رحمه اللّه - كل هذه الأوجه من كتاب التبيان لأبي البقاء العكبري 1170 .
( 3 ) قاله جار اللّه الزمخشري في كشافه 3 / 557 .
( 4 ) أحد قولي الزمخشري أيضا وعنه أخذ الإمام الرازي في تفسيره هذين الوجهين وفصل التفصيل المرئي أعلى كما نلمح .
( 5 ) في ب لي بدل من ابني .
( 6 ) في تفسير الرازي : غاية .
( 7 ) في ب : بقوله تحريف .