تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
قوله :
« وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ »
قال ابن الخطيب : إن قلنا : ( إن « 1 » ) المراد من قوله :
« لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ »
أي لا تكثروا الكلام فقوله :
« وَلا تَجْهَرُوا »
يكون مجازا عن الإتيان بالكلام عند النبي - صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » - بقدر ما يؤتى به عند غيره أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل ، وإن قلنا : المراد بالرفع الخطاب فقوله :
« لا تَجْهَرُوا »
أي لا تخاطبوه كما تخاطبو ( ن « 3 » ) غيره . واعلم أن قوله تعالى :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ
لما كان من جنس لا تجهروا لم يستأنف النداء ، ولما كان مخالفا للتقدم لكون أحدهما فعلا والآخر قولا استأنف كقول لقمان لابنه :
« يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ »
، وقوله :
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ
لكن الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح ، فقوله :
« يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ »
من غير استئناف النداء لكون الكل من عمل الجوارح . فإن قيل : ما الفائدة من قوله :
« وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ »
مع أن الجهر مستفاد من قوله :
« لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ »
؟ . فالجواب : أن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام النبي - صلّى اللّه عليه وسلم « 4 » - أو صوته ، والنهي عن الجهر منع من المساواة ، أي لا تجهروا له بالقول كما تجّهرو ( ن « 5 » ) لنظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا « 6 » . قوله :
« أَنْ تَحْبَطَ »
مفعول من أجله . والمسألة من التنازع لأن كلّا من قوله :
« لا تَرْفَعُوا »
و
« لا تَجْهَرُوا لَهُ »
يطلبه من حيث المعنى فيكون معمولا للثاني عند البصريين في اختيارهم ، وللأول عند الكوفيين . والأول أصح للحذف من الأول أي لأن تحبط « 7 » . وقال أبو البقاء : إنها لام الصّيرورة « 8 » و
« أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
حال .

فصل [ في معنى قوله : « وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »

] معنى الكلام إنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتم فذلك يؤدي إلى الاستحقار وهو يفضي إلى الارتداد والارتداد محبط . وقوله :
« وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
إشارة إلى أن الردّة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان فإن من ارتكب ذنبا لم يرتكبه في عمره تراه نادما غاية الندامة خائفا غاية « 9 » الخوف ، فإذا ارتكبه مرارا قلّ خوفه وندامته ويصير عادة
هامش
( 1 ) زيادة من أكالرازي تماما . ( 2 ) في ب عليه الصلاة والسلام . ( 3 ) النون ساقطة من النّسختين ولا بدّ منها . ( 4 ) في ب عليه الصلاة والسلام . ( 5 ) في ب تجهروا . ( 6 ) قال بهذا الإمام في تفسيره الكبير 28 / 113 . ( 7 ) قاله أبو حيّان في البحر 8 / 106 . ( 8 ) وهي لام العاقبة قال : أو لأن تحبط على أن تكون اللام لا العاقبة . انظر التبيان 1170 . ( 9 ) الرازي المرجع السابق . وفيه هكذا وفي ب عليه .