تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
قوله ( تعالى « 1 » ) :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
في إعادة النداء فوائد منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد ، كقول لقمان لابنه :
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
[ لقمان : 13 ]
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
[ لقمان : 16 ]
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ
[ لقمان : 17 ] ، لأن النداء تنبيه للمنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه ، فإعادته تفيد تجدد ذلك . ومنها : أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب الأول ، فإن من الجائز أن يقول القائل : يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو ، فإذا أعاد مرة أخرى وقال : يا زيد قل كذا ( يا زيد « 2 » قل كذا ( وقل كذا ) ) يعلم أن المخاطب أولا هو المخاطب ثانيا . ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ، وليس الثاني تأكيدا للأول كقولك : يا زيد لا تنطق ولا تتكلّم إلا الحق فإنه لا يحسن أن تقول : يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلّم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين .

فصل [ في معنى قوله : « لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ »

] قوله :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
يحتمل أن يكون المراد حقيقة رفع الصوت ، لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام ، وترك الاحترام ، وهو أن رفع الصوت يدل على عدم الخشية ؛ لأن من خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ، ومن لم يخف ثبت قلة الاحتشام ، وترك الاحترام ، وهو أن رفع الصوت يدل على عدم الخشية ؛ لأن من خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ، ومن لم يخف ثبت قلبه وقويت حركته الدافعة ، وذلك دليل على عدم الخشية . ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ، لأن من كثر كلامه يكون متكلما عند سكوت الغير فيبقى لصوته ارتفاع وإن كان خائفا فلا ينبغي أن يكون لأحد عند النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - كلام كثير بالنسبة إلى كلام النبي - عليه الصلاة والسلام - لأن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم « 3 » - مبلّغ فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز له ، وإن سأل فإن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم « 4 » - لمّا وجب عليه البيان فهو لا يسكت عما سئل ، وإن لم يسأل فربما يكون في الجواب تكليف لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورطة العقاب كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
[ المائدة : 101 ] . ويحتمل أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم ، أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعا على كلام النبي - عليه الصلاة والسلام - في الخطاب . والأول أوضح والكل يدخل في المراد « 5 » . قال المفسرون : معناه بجّلوه وفخّموه ولا ترفعوا أصواتكم عنده ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا « 6 » . وروى أنس بن مالك ( رضي اللّه عنه « 7 » ) قال : لما نزل قوله
هامش
( 1 ) زيادة من أ . ( 2 ) ما بين القوسين الكبيرين زيادة على الرازي وما بين القوسين الصغيرين هما اللذان في ب . ( 3 ) في ب عليه الصلاة والسلام . ( 4 ) في ب عليه الصلاة والسلام كذلك . ( 5 ) وانظر تفسير الإمام 28 / 112 و 113 . ( 6 ) قاله البغوي في تفسيره 6 / 219 . ( 7 ) زيادة من أ .