تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
[ الأنفال : 57 ] وبقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] وإليه ذهب قتادة والضحاك ، والسّديّ وابن جريج ، وهو قول الأوزاعي « 1 » وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز المنّ على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء . وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة ، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا أوقعوا في الأسر بين أن يقتلهم ، أو يسترقّهم أو يمنّ عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين . وإليه ذهب ابن عمر . وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء . وهو قول الثّوريّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق « 2 » . قال ابن عباس - ( رضي اللّه عنهما ) - لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل اللّه في الأسارى
« فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً »
، وهذا هو الأصح والاختيار ، لأنه عمل به رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - والخلفاء بعده « 3 » . روى البخاري عن أبي هريرة قال : بعث النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال ( له ) « 4 » ثمامة بن أثال ، فربطوه في سارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي خير يا محمد ، إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فلك ما شئت ، حتى كان الغد فقال له : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك : إن تنعم تنعم على شاكر . فتركه حتى إذا كان بعد الغد قال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي ما قلت لك قال : أطلقوا ثمامة ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه واللّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ ، واللّه ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحبّ الدّين إليّ . واللّه ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فقد أصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ . وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فما ترى ؟ فبشّره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل : صبوت ؟ قال : لا ولكن أسلمت مع محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - ولا واللّه لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - . وعن عمران بن حصين قال : أسر أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - رجلا من عقيل فأوثقوه ، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - ففداه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف .
هامش
( 1 ) سبق التعريف به . ( 2 ) هو الإمام الحافظ الكبير إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ أبو يعقوب التّميميّ المروزيّ ويعرف بابن راهويه صاحب المسند والسنن والتفسير المشهور سمع من ابن المبارك وجرير بن عبد الحميد ، وعنه الجماعة سوى ابن ماجة . مات سنة 238 ه . انظر طبقات الداودي 2 / 103 : 105 . ( 3 ) انظر القرطبي 16 / 227 و 228 . ( 4 ) سقط من ب .