تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
قوله :
« ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ » .
وفي « ما » هذه قولان : أحدهما : أنها نافية « 1 » . والثاني : أنها استفهامية « 2 » لكن لا يراد به حقيقة الاستفهام فيعود إلى النفي . وإذا كانت نافية فهل هي معلقة أو مستأنفة أو جواب القسم الذي تضمنه معنى « تتفكّروا » لأنه فعل تحقيق كتبيّن وبابه ؟ ثلاثة أوجه نقل الثّالث ابن عطية « 3 » . وربما نسبه لسيبويه ، وإذا كانت استفهامية جاز فيها الوجهان الأولان دون الثالث و
« مِنْ جِنَّةٍ »
يجوز أن يكون فاعلا بالجار « 4 » لاعتماده « 5 » وأن يكون مبتدأ « 6 » ، ويجوز في « ما » إذا كانت نافية أن تكون الحجازيّة أو التّميميّة « 7 » . قوله :
« مَثْنى وَفُرادى »
إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره فيدخل في قوله « مثنى » وإن كان وحده دخل في قوله : « فرادى » فكأنه قال : تقوموا للّه مجتمعين ومنفردين لا يمنعكم الجمعيّة من ذكر اللّه ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر اللّه « 8 » ، ثم تتفكروا في حال محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فتعلموا ما بصاحبكم من « جنة » جنون . وليس المراد من القيام القيام ضد الجلوس وإنما هو القيام بالأمر الذي هو طلب الحق « 9 » كقوله :
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ
[ النساء : 127 ] . قال ابن الخطيب « 10 » : وقوله :
« بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ »
يفيد كونه رسولا وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولا ، لأن النبي - عليه السلام - كان يظهر من أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر من « 11 » يظهر منه العجائب إما الجن وإما الملك فإذا لم يكن الصادر من النبي - عليه السلام - بواسطة الجن بل « 12 » بقدرة اللّه من غير واسطة وعلى
هامش
( 1 ) قاله في التبيان 1070 . ( 2 ) قال بذلك الزمخشري في الكشاف 3 / 295 والفراء في معانيه 2 / 364 فقد قال الزمخشري : « وقد جوز بعضهم أن تكون ما استفهامية » وقال الفراء : « ثمّ تتفكّروا هل جربتم على محمد كذبا أو رأيتم به جنونا ففي ذلك ما يتيقنون أنه نبي » . ( 3 ) البحر المحيط 7 / 291 وقد نقل وجهي التعليق والاستئناف أبو حيان في بحره 7 / 291 وكذلك شهاب الدين السمين في الدر 4 / 454 بينما نقل وجه جواب القسم السمين فقط 4 / 454 والتعليق يكون بالنفي والجملة تكون حينئذ في محل نصب وهو محط التفكر ، أي تتفكروا في انتفاء الجنة عن محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وهذا يشبه قول اللّه :« وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ »بتصرف 7 / 291 والهمع 1 / 154 . ( 4 ) وهو صاحب . ( 5 ) على نفي أو استفهام . ( 6 ) على اعتبار « من » مزيدة والخبر « بصاحب » وتحقق زيادة « من » بعد وقوعها بعد استفهام أو نفي . ( 7 ) فإذا كانت حجازية كان اسمها « جنة » وخبرها « بصاحب » وإذا كانت تميمية كان « بصاحب » خبر مقدم و « جنة » مبتدأ مؤخر كما قال أعلى . ولست أدري كيف جعل المؤلف « ما » حجازية لتقدم الخبر لأن الخبر إذا تقدم على اسمها لا تعد « ما » عاملة بل مهملة . انظر : السمين 4 / 355 والكتاب 1 / 122 . ( 8 ) قاله الرازي 25 / 268 . ( 9 ) قاله البغوي في معالم التنزيل 5 / 295 . ( 10 ) قاله في تفسيره « التفسير الكبير » 25 / 295 . ( 11 ) فيه : ممن . ( 12 ) فيه : أو بقدرة اللّه تعالى من غير واسطة بحرف العطف « أو » .