تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
التقديرين فهو رسول اللّه وهذا من أحسن الطّرق ، وهو الذي يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخسّ الصفات فإنه لو قال أولا هو رسول كانوا يقولون فيه النّزاع فإذا قال : ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك ، ليعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه ، فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة ولهذا قال بعده :
« إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ »
يعني إما هو به جنّة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير . وقوله :
« بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ »
إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال ينذركم بعذاب حاضر يمسّكم عن قريب « 1 » . قوله :
« قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ »
في « ما » وجهان : أحدهما : أنها شرطية فيكون مفعولا مقدما و
« فَهُوَ لَكُمْ »
جوابها « 2 » . والثاني : أنها موصولة في محل رفع بالابتداء والعائد محذوف أي سألتكموه والخبر :
« فَهُوَ لَكُمْ »
« 3 » ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط والمعنى يحتمل أنه لم يسألهم أجرا البتة كقولك : إن أعطيتني شيئا فخذه مع عملك أي لم يعطك شيئا وقول القائل : ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء . ويؤيده :
« إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ »
ويحتمل أنه سألهم شيئا نفعه عائد عليهم وهو المراد بقوله :
إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
[ الشورى : 23 ]
« إِنْ أَجْرِيَ »
ما ثوابي
« إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » .
قوله :
« إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ »
يجوز أن يكون
« يَقْذِفُ بِالْحَقِّ »
مفعوله محذوفا لأن القذف في الأصل الرمي وعبر عنه هنا عوضا عن الإلقاء أي يلقي الوحي إلى أنبيائه « بالحقّ » أي بسبب الحق أو ملتبسا بالحق . ويجوز أن يكون التقدير يقذف الباطل بالحقّ أي يدفعه ويطرحه « 4 » ، كقوله تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
[ الأنبياء : 18 ] . ويجوز أن يكون الباء « 5 » زائدة أي نلقي الحقّ « 6 » ، كقوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
[ البقرة : 195 ] أو تضمن « يقذف » معنى يقضي ويحكم « 7 » ، والقذف الرمي بالسهم أو بالحصاة أو الكلام « 8 » .
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 25 / 269 المرجع السابق . ( 2 ) قال بذلك الزمخشري في الكشاف 3 / 295 قال :« فَهُوَ لَكُمْ »جزاء الشرط الذي هو قوله :« ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ »تقديره : أيّ شيء سألتكم من أجر فهو لكم كقوله تعالى :ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهاوانظر : الدر المصون 4 / 455 . ( 3 ) المرجعان السابقان والبحر المحيط 7 / 291 وهما بالمعنى من الكشاف والبحر وباللفظ من الدر المصون . ( 4 ) المراجع السابقة . ( 5 ) أوردها أبو حيان في بحره وضعّفها قال : « فإذا جعلت بالحق هو المفعول كانت الباء زائدة في موضع لا تطرد فيه » . البحر 7 / 292 . وقد جوز زيادة الباء هنا شهاب الدين السمين في الدر المصون 4 / 455 . ( 6 ) ما بين القوسين كله ساقط من « ب » . ( 7 ) المرجع الأخير السابق . ( 8 ) قاله في اللسان 3560 .