تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
وثانيها : قوله :
« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »
وذلك يقتضي كونه شاكا في قدرة اللّه . وثالثها : قوله :
« إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
والظلم مذموم قال تعالى :
« أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ »
« 1 » . ورابعها « 2 » : أنه لو لم يصدر منه الذنب ، فلم عاقبه اللّه بأن ألقاه في البحر في بطن الحوت . وخامسها : قوله :
« فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ »
« 3 » والمليم هو ذو الملامة ومن كان كذلك فهو مذنب . وسادسها : قوله :
« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ »
« 4 » فإن لم يكن صاحب ذنب لم يجز النهي عن التشبّه به وإن كان مذنبا فهو المطلوب . وسابعها : قوله :
« فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ »
« 4 » وقال :
« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ »
« 4 » وهذا يقتضي أنّ ذلك الفعل مخرج أن يكون يونس من أولي العزم . والجواب : أنه ليس في الآية من غاضبه ، فلا نقطع على نبي اللّه بأنه غاضب ربه ، لأنّ ذلك صفة من يجهل كون اللّه مالكا للأمر والنهي ، والجاهل باللّه لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا . وأما ما روي من أنه خرج مغاضبا لأمر يرجع إلى الاستعداد فمما يرتفع حال الأنبياء عنه ، لأنّ اللّه تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه ، لقوله تعالى :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ »
« 5 » وقوله :
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
« 6 »
فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يجدون
فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ »
« 7 » . فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم . وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى اللّه وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضبا لغير اللّه ، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به ، فيحمل على مغاضبة قومه ، أو الملك ، أو هما جميعا ومعنى مغاضبته لقومه أنه غاضبهم لمفارقته لخوف « 8 » حلول العذاب بهم ، وقرىء « مغضبا » كما تقدم « 9 » وأما قولهم : مغاضبة القوم أيضا محظورة لقوله :
« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ »
« 10 » .
هامش
( 1 ) [ هود : 18 ] . ( 2 ) في الأصل : رابعها . ( 3 ) [ الصافات : 142 ] . ( 4 ) [ الأحقاف : 35 ] . ( 5 ) [ الأحزاب : 36 ] . ( 6 ) في ب : يحلموك . وهو تحريف . ( 7 ) [ النساء : 65 ] . ( 8 ) في ب : بخوف . ( 9 ) وهي قراءة أبي شرف . ( 10 ) [ القلم : 48 ] .