والضحاك والكلبي وهو رواية العوفي عن ابن عباس : يقال : قدّر اللّه شيئا تقديرا ، وقدر يقدر قدرا بمعنى واحد « 1 » . ومنه قوله :
« نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ
« 2 »
الْمَوْتَ »
« 3 » في قراءة من خفّفها « 4 » دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز « 5 » والزهري « فظنّ أن لن نقدّر عليه » بالتشديد « 6 » . وقال عطاء وكثير من العلماء : معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى :
« اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ »
« 7 » أي : يضيق . وقال ابن زيد : هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر ( عليه « 8 » ؟ ) « 9 » . وعن الحسن قال : بلغني أنّ يونس « 10 » لما أصاب الذنب انطلق مغاضبا لربه ، واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه ، وكان له سلف عبادة ، فأبى اللّه أن يجعله للشيطان ، فقذفه في بطن الحوت ، فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة « 11 » . وقال عطاء : سبعة أيام ، وقيل : ثلاثة أيام . وقيل : إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة « 12 » . وقيل : بلغ به تخوم الأرض السابعة ، فتاب إلى ربه في بطن الحوت ، وراجع نفسه ، فقال :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ
« 13 »
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
حين عصيتك ، وما صنعت من شيء ، فلم أعبد غيرك ، فأخرجه اللّه من بطن الحوت برحمته « 14 » .
فصل [ في احتجاج القائلين بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية ]
احتج القائلون « 15 » بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه :
أحدها : أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضبا لربه ، قيل : هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب ، واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير ، وإذا كان كذلك فمغاضبة اللّه من أعظم الذنوب ، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع اللّه بل كان مع ذلك الملك ، أو مع القوم ، فهو أيضا محظور لقول اللّه تعالى :
« فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ »
« 16 » وذلك « 17 » يقتضي أن ذلك الفعل من يونس محظور .
هامش
( 1 ) قال الزجاج : ( ويقدر بمعنى يقدّر ) معاني القرآن وإعرابه 3 / 402 .
( 2 ) بينكم : سقط من ب .
( 3 ) [ الواقعة : 60 ] .
( 4 ) وهو ابن كثير ، والباقون بالتشديد . السبعة ( 623 ) . الكشف 2 / 305 .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) الفخر الرازي 22 / 215 . والقرطبي 11 / 332 ، البحر المحيط 6 / 335 .
( 7 ) ويقدر : سقط من ب . [ الرعد : 26 ] .
( 8 ) آخر ما نقله هنا عن البغوي 5 / 524 - 525 .
( 9 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 10 ) في ب : يونس عليه الصلاة والسلام .
( 11 ) انظر البغوي 5 / 525 .
( 12 ) المرجع السابق .
( 13 ) في الأصل : سبحانك لا إله إلا أنت .
( 14 ) انظر البغوي 5 / 525 .
( 15 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 213 - 216 .
( 16 ) [ القلم : 48 ] .
( 17 ) في ب : وهذا .