تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
فالجواب لا نسلم أنها « 1 » كانت محرمة ، أما الذهاب ، فلأن اللّه أمره بتبليغ الرسالة إليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم أبدا ، فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار ، فلم يكن خروجه من بينهم معصية . وأما الغضب لما لم يكن منهيا عنه قبل ذلك ظن أن ذلك جائز من حيث أنه لم يفعله إلا غضبا للّه وأنفة لدينه ، بل كان الأولى أن يصابر وينتظر من اللّه الأمر بالمهاجرة عنهم ، ولهذا قال تعالى :
« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ »
« 6 » كأن « 2 » اللّه تعالى أراد لمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - أفضل المنازل وأعلاها . وأما الجواب عن قوله :
« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »
فنقول من ظن عجز اللّه فهو كافر ، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء ، فإن لا بدّ فيه من التأويل ، وفيه وجوه : الأول :
« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »
نضيق عليه كقوله :
« اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ »
« 3 »
« وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ »
« 4 » أي : ضيق « 5 » ، وكذا قوله :
« وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ »
« 6 » أي : ضيق ، فمعناه : أن لن نضيق عليه ، وعلى هذا فالآية حجة لنا ، لأن يونس ظن أنه مخير « 7 » إن شاء أقام وإن شاء خرج وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان في المعلوم أنّ الصلاح في تأخير خروجه ، وهذا من اللّه بيان لما يجري مجرى العذر « 8 » له من حيث خرج لا على تعمد المعصية لكن ظن أنّ الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك . والثاني : أن يكون هذا من باب التمثيل ، أي : فكانت حاله مماثلة لحال من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه عن قومه من غير انتظار لأمر اللّه . الثالث : أن يفسسر القدر بالقضاء ، والمعنى : فظن أن لن نقدر عليه بشدة . قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس واختيار الفراء « 9 » والزجاج « 10 » : يقال : قدر اللّه الشيء قدرا وقدّره تقديرا فالقدر بمعنى التقدير ، وتقدم قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري بضم النون والتشديد من التقدير « 11 » .
هامش
( 1 ) في ب : أنه . وهو تحريف . ( 2 ) في ب : فإن . ( 3 ) [ الرعد : 26 ] ، وفي ب :« لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ »[ العنكبوت : 62 ] . ( 4 ) [ الطلاق : 7 ] . ( 5 ) في الأصل : يضيق . ( 6 ) [ الفجر : 16 ] . ( 7 ) في الأصل : مخيرا . ( 8 ) في الأصل : القدر ، وفي ب : الغدر . والصواب ما أثبته . ( 9 ) قال الفراء : ( وقوله :« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »يريد أن لن نقدر عليه من العقوبة ما قدرنا ) . معاني القرآن 2 / 209 . ( 10 ) قال الزجاج : ( « فظنّ أن لن نقدر عليه » أي : ظن أن لن نقدر عليه ما قدرناه من كونه في بطن الحوت ، ويقدر بمعنى يقدّر ) . معاني القرآن وإعرابه 3 / 402 . ( 11 ) تقدم قريبا .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 582 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب