تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
وروي أنه دخل ابن عباس على معاوية ، فقال معاوية : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة ، فغرقت فيها ، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك . فقال : وما هي ؟ قال : ظن نبي اللّه أن لن يقدر اللّه عليه . فقال ابن عباس : هذا من القدر لا من القدرة . الرابع : فظن أن لن « 1 » ( نقدر ، أي : فظن أن لن نفعل لأن ) « 2 » بين القدرة والفعل مناسبة ، فلا يبعد جعل أحدهما مجازا عن الآخر . الخامس : أنه استفهام بمعنى التوبيخ كما تقدم عن ابن زيد « 3 » . السادس : قول من قال إن هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس ، فيكون هذا الظن حاصلا قبل الرسالة ، وإذا كان كذلك فلا يبعد في حق غير الأنبياء أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان ، ثم إنه يرده بالحجة والبرهان . وأما الجواب عن قوله
« إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
فنقول : إن حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، وإن حملناه على ما بعدها فيجب تأويله ، لأنا لو أجريناه على ظاهره ، لاستحق اللعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول : لا شك أنه كان تاركا للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل ، فكان ذلك ظلما . وأما الجواب عن إلقائه في البحر في بطن الحوت ، وأن ذلك عقوبة ، فلا نسلم أنّ ذلك عقوبة ، إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا بل المراد المحنة . وأما الجواب عن الملامة فإنما كان بسبب ترك الأفضل « 4 » .

فصل [ في معنى قوله : « فَنادى فِي الظُّلُماتِ »

] قوله « 5 »
« فَنادى فِي الظُّلُماتِ »
قال الزمخشري : أي : في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله :
« ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ »
« 6 » وقوله : « يخرجهم
مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ »
« 7 » . وقيل : أراد ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت « 8 » .
« أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ »
نزه ربه عن كل النقائص ، ومنها العجز ، وهذا يدلّ على أنه ما كان مراده من قوله :
« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »
أنه ظن العجز ، وإنما قال : « سبحانك » ، لأنّ معناه سبحانك أن تفعل جورا أو شهوة الانتقام أو عجزا عن تخليصي عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة « 9 »
« إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
هامش
( 1 ) في الأصل : لم . وهو تحريف . ( 2 ) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي . ( 3 ) تقدم قريبا . ( 4 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 213 - 216 . ( 5 ) قوله : سقط من الأصل . ( 6 ) [ البقرة : 17 ] . ( 7 ) [ البقرة : 257 ] . ( 8 ) الكشاف 3 / 19 . ( 9 ) في النسختين : الإلهية . انظر الفخر الرازي 22 / 216 .