جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها ، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد : نار تشعل والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه ، فتقول : ما أنت إلا أكل ونوم ، وما هو إلا إقبال وإدبار ، قال الشاعر :
3715 - ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت « 1 » * فإنّما هي إقبال وإدبار « 2 »
ويتأكد هذا بقوله :
« وَكانَ
« 3 »
الْإِنْسانُ عَجُولًا »
« 4 » .
قال المبرد :
« خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ »
أي من شأنه العجلة كقوله
« خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ »
« 5 » أي : ضعفاء « 6 » . ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله عليه السلام « 7 » :
« لست من الدّد ولا الدّد منّي » « 8 » ، والدّد : اللعب ، وفيه لغات : دد محذوف اللام وددا مقصورا كعصا ، وددن بالنون . وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدرى أهي عن ياء أو واو « 9 » . وقيل :
« خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ »
أي بسرعة ، وتعجيل من غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه خلقا آخر « 10 » . وقال أبو عبيدة : العجل الطين بلغة حمير قال شاعرهم :
3716 - والنّبع في الصّخرة الصّمّاء منبته * والنّخل ينبت بين الماء والعجل « 11 »
قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت : واللّه أعلم بصحته « 12 » .
قال شهاب الدين : وهو معذور « 13 » . وهذا الجار يحتمل تعلقه ب « خلق » على
هامش
( 1 ) في النسختين : ترتع إذا نسيت حتى إذا ذكرت .
( 2 ) البيت من بحر البسيط قالته الخنساء ، رتعت الإبل : إذا رعت ، وأرتعتها : تركتها ترعى . ادكرت :
تذكرت .
( 3 ) في النسختين : خلق . وهو تحريف .
( 4 ) [ الإسراء : 11 ] .
( 5 ) من قوله تعالى :اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ[ الروم : 54 ] .
( 6 ) هذا القول أقرب إلى الصواب لأنه أمكن حمل الكلام على معنى صحيح ، وهو على ترتيبه ، فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب . انظر الفخر الرازي 22 / 172 .
( 7 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 8 ) سبق تخريجه .
( 9 ) ينظر هذه اللغات في اللسان ( ددن - ددا ) .
( 10 ) البحر المحيط 6 / 313 .
( 11 ) انظر البحر المحيط 6 / 313 ، والبيت من بحر البسيط لم أهتد إلى قائله وهو في الكشاف 3 / 11 - 12 ، تفسير ابن عطية 10 / 151 ، اللسان ( عجل ) تفسير القرطبي 11 / 289 ، البحر المحيط 6 / 313 .
النبع : شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسيّ . الصماء : الصلبة . يقول : النبع منبته في الصخرة الصماء ، والنخل ينبت في الأرض اللينة . والشاهد فيه أن ( العجل ) بمعنى الطين .
( 12 ) الكشاف 3 / 12 .
( 13 ) الدر المصون 5 / 49 .