كالمحق إذا علم أن في قلب واحد شبهة ، وأنه لو لم يطالبه « 1 » بذكرها وتقريرها « 2 » بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه « 3 » ويخرج بسببها عن الدين ، فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه ، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها ، ويزيل أثرها عن قلبه ، فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض جائز فكذا ههنا .
الرابع : أن لا يكون ذلك أمرا بل معناه : إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسّا « 4 » لكي ينكشف الحق « 5 » .
الخامس : أن موسى - عليه السلام « 6 » - لا شك أنه كان كارها لذلك ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله :
« وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ »
« 7 » وإذا كان كذلك استحال أن يأمرهم بذلك ، لأن الجمع بين كونه ناهيا آمرا بالفعل الواحد محال ، فعلمنا أن أمره غير محمول على ظاهره ، وحينئذ يزول الإشكال . فإن قيل : لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم إسماع الشبهة على إسماع الحجة غير جائز ، فكذا تقديم إرائة الشبهة على إرائة الحجة « 8 » يجب أن لا يجوز ، لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة « 9 » ثم لا يتفرغ لإدراك « 10 » الحجة بعده ، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال ، وليس لأحد أن يقول : إن ذلك كان « 11 » بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو - عليه السلام « 12 » - قابل ذلك بأن قدمهم ، لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز .
فالجواب أنه - عليه السلام « 13 » - كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى ، والقوم « 14 » إنما جاءوا لمعارضته ، فقال - عليه السلام « 15 » - لو أظهرت « 16 » المعجزة أولا لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وهو لا يجوز ، ولكنني « 17 » أفوض الأمر إليهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ، ثم أظهر أنا « 18 » ذلك المعجز الذي يبطل سحرهم ، فيكون هذا التقديم « 19 » سببا لدفع الشبهة فكان أولى « 20 » .
هامش
( 1 ) في ب : فإنه لو لم يطابقه . وهو تحريف .
( 2 ) في ب : وتقريره . وهو تحريف .
( 3 ) في ب : بقلبه .
( 4 ) حسّا : سقط من ب .
( 5 ) في ب : من الحق . وهو تحريف .
( 6 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 7 ) [ طه : 61 ] .
( 8 ) في ب : أداة الشبهة على أداة الحجة . وهو تحريف .
( 9 ) في ب : أنه أراد الشبهة . وهو تحريف .
( 10 ) لإدراك : سقط من ب .
( ( 11 ) كان سقط من ب .
( 12 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 13 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 14 ) في ب : وإن كان به حاجة إلى مرة أخرى فالقوم . وهو تحريف .
( 15 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 16 ) في ب : لو كنت أظهرت .
( 17 ) في ب : ولكني .
( 18 ) في ب : أن . وهو تحريف .
( 19 ) في ب : التقدير . وهو تحريف .
( 20 ) انظر الفخر الرازي 22 / 82 .