تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
واتفقوا على أن تلك الآية هي تعذر الكلام عليه ، فإن مجرّد السكوت مع القدرة على الكلام لا يكون معجزة ، ثم اختلفوا على قولين : أحدهما : أنه اعتقل لسانه أصلا . والثاني : أنه امتنع عليه الكلام مع القوم على وجه المخاطبة ، مع أنه كان متمكنا من ذكر اللّه ، ومن قراءة التوراة ، وهذا القول عندي أصحّ ؛ لأن اعتقال اللسان مطلقا قد يكون لمرض ، وقد يكون من فعل اللّه ، فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجز إلا إذا عرف أنه ليس لمرض ، بل لمحض فعل اللّه تعالى مع سلامة الآلات ، وهذا مما لا يعرف إلا بدليل آخر ، فتفتقر تلك الدلالة إلى دلالة أخرى ، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام ، مع القوم ، مع اقتداره على التكلم بذكر اللّه تعالى وقراءة التوراة ، علم بالضرورة ؛ أن ذلك الاعتقال ليس لعلّة ومرض ، بل هو لمحض فعل اللّه ، فيتحقق كونه آية ومعجزة ، ومما يقوي ذلك قوله تعالى :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
خص ذلك بالتكلم مع الناس ؛ وهذا يدلّ بطريق المفهوم ؛ أنه كان قادرا على التكلّم مع غير الناس . قوله : « سويّا » : حال من فاعل « تكلّم » ، وعن ابن عباس : أنّ « سويّا » من صفة الليالي بمعنى « كاملات » ، فيكون نصبه على النعت للظرف ، والجمهور على نصب ميم « تكلّم » جعلوها الناصبة . وابن أبي عبلة بالرفع ، جعلها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، و « لا » فاصلة ، وتقدّم تحقيقه . وقوله :
« أَنْ سَبِّحُوا »
: يجوز في « أن » أن تكون مفسّرة ل « أوحى » ، وأن تكون مصدرية مفعولة بالإيحاء ، و
« بُكْرَةً وَعَشِيًّا »
ظرفا زمان للتسبيح ، وانصرفت « بكرة » ؛ لأنه لم يقصد بها العلميّة ، فلو قصد بها العلمية ، امتنعت من الصّرف ، وسواء قصد بها وقت بعينه ؛ نحو : لأسيرنّ الليلة إلى بكرة ، أم لم يقصد ؛ نحو : بكرة وقت نشاط ؛ لأنّ علميّتها جنسيّة ؛ كأسامة ، ومثلها في ذلك كله « غدوة » . وقرأ طلحة « سبّحوه » بهاء الكناية ، وعنه أيضا : « سبّحنّ » بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة مؤكّدا بالثقيلة ، وهو كقوله :
لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ
[ هود : 8 ] ، وقد تقدّم تصريفه . قوله تعالى :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ،
وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه ؛ أن يفتح لهم الباب ، فيدخلون ويصلون ؛ إذ خرج عليهم زكريا متغيّرا لونه ، فأنكروه ، فقالوا : ما لك يا زكريا
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ .
قال مجاهد : كتب لهم الأرض ،
أَنْ سَبِّحُوا ،
أي صلوا للّه ،
بُكْرَةً ،
غدوة ،
وَعَشِيًّا ،
معنا أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا ، فيأمرهم بالصلاة ، فلما كان وقت حمل امرأته ، ومنع الكلام خرج إليهم ، فأمرهم بالصلاة إشارة . قوله عز وجل :
يا يَحْيى ،
قيل : فيه حذف معناه : وهبنا له يحيى ، وقلنا له : يا يحيى ،
خُذِ الْكِتابَ ،
يعني التوراة ، وقيل يحتمل أن يكون كتابا خصّ اللّه به يحيى ،